بين التنوير والتطرف.. دور الشباب في صناعة السلم المجتمعي

بين التنوير والتطرف.. دور الشباب في صناعة السلم المجتمعي

رقية الخاقاني/ صدى المرأة

في خضم العواصف الفكرية التي تعصف بمجتمعاتنا العربية، يبرز الشباب كحصن منيع في مواجهة التطرف وكجسر يعبر بنا نحو آفاق التنوير. هذه المعركة المصيرية لم تعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة حتمية في ظل تنامي الخطابات المتطرفة التي تستهدف عقول الشباب وتستغل طاقاتهم في هدم المجتمعات بدلاً من بنائها.

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن شريحة الشباب تشكل الحلقة الأضعف في مواجهة التطرف الفكري، حيث تصل نسبة المتأثرين بالخطابات المتطرفة بين الشباب إلى مستويات مقلقة. لكن هذه الإحصائية ذات حدين، فما يجعل الشباب هدفاً سهلاً للتطرف يجعلهم أيضاً الأقدر على مواجهته، بما يمتلكونه من مرونة فكرية وقدرة على التكيف مع مستجدات العصر.

وتتعدد العوامل التي تهيئ البيئة الخصبة لانتشار التطرف بين الشباب، بدءاً من الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تولد الإحباط، مروراً بالأنظمة التعليمية التقليدية التي تقتل روح النقد، ووصولاً إلى بعض الخطابات الدينية المتطرفة التي تحول الدين من عامل وحدة إلى أداة تفريق. ولا نغفل دور وسائل التواصل الحديثة التي أصبحت ساحة مفتوحة لاصطياد الشباب عبر أساليب نفسية مدروسة.

وفي مواجهة هذه التحديات، تبرز مبادرات شبابية خلاقة تثبت أن جيل اليوم ليس مجرد متلقً سلبي، بل شريك فاعل في صناعة التغيير. نرى ذلك في المنصات الرقمية التي أطلقها شباب عربي لنشر الوعي ومحاربة الأفكار المتطرفة، حيث تحولت وسائل التواصل من أدوات تجنيد إلى منابر للتنوير. كما تجسدت هذه الروح الإبداعية في الأعمال الفنية التي تقدم خطاباً بديلاً يعزز قيم التسامح والانفتاح.

منها المسرح الشبابي الذي أصبح ساحة حقيقية لمواجهة التطرف، حيث تقدم العروض المسرحية رؤى نقدية للأفكار المتطرفة بلغة تصل إلى قلوب الشباب وعقولهم. وفي مجال التخييم الكشفي، ظهرت تجارب رائدة للمشاركة الشبابية،للتعايش السلمي والتعاون في ما بينهم، تقدم محتوى هادفاً ينافس الخطابات المتشددة. أما في مجال التعليم الموازي، فقد أسس الشباب نوادي للحوار والنقاش تتيح مساحات آمنة لتبادل الأفكار بعيداً عن التعصب.

لكن الطريق لا يخلو من عقبات، فالكثير من المبادرات الشبابية تواجه تحديات جمة تبدأ من القيود الأمنية وتنتهي بصعوبات التمويل. هناك حاجة ماسة لخلق بيئة داعمة تتيح للشباب المساهمة بفاعلية في مواجهة التطرف، من خلال إشراكهم في صنع القرار وتوفير الدعم المادي والمعنوي لمشاريعهم.

التعليم النظامي يحتاج إلى إصلاح جذري يعطي مساحة أكبر لتنمية التفكير النقدي والقدرة على التحليل، بدلاً من الاكتفاء بحشو الأذهان بالمعلومات. كما أن للإعلام دور محوري في تقديم نماذج شبابية إيجابية تنافس النماذج المتطرفة التي يتم تسويقها باحترافية عالية.
وفي الختام، إن معركة التنوير ضد التطرف هي معركة وجود، والشباب هم جنودها الأكثر فاعلية. ليس المطلوب منهم أن يكونوا أبطالاً خارقين، بل أن يكونوا واعين بذواتهم، ناقدين لما يقدم لهم، فاعلين في مجتمعاتهم. المستقبل الذي ننشده لن يبنى إلا بأيديهم وعقولهم، فهم ليسوا مستقبل الأمة فحسب، بل حاضرها الذي ينبض بالحياة.

رئيس التحرير