المرأة العراقية.. حصن المجتمع ضد التطرف وجسر التعايش السلمي .

المرأة العراقية.. حصن المجتمع ضد التطرف وجسر التعايش السلمي .

رقية الخاقاني/ صدى المرأة

في خضم العواصف التي تعصف بالعراق منذ عقود، تبرز المرأة العراقية كلبنة أساسية في بناء جدار منيع ضد التطرف والعنف. فهي ليست مجرد ضحية للظروف الصعبة، بل تشكل قوة دافعة نحو السلام والتعايش، تحمل على عاتقها مهمة تربوية واجتماعية جسيمة في ظل تحديات معقدة.
ولطالما احتلت المرأة العراقية مكانة مركزية في النسيج الاجتماعي عبر العصور. من دورها المحوري في الحضارات القديمة كالسومرية والبابلية، حيث كانت الكاهنة والمعلمة والحارسة للتراث، إلى مشاركتها الفاعلة في النهضة الثقافية الحديثة، أثبتت المرأة أنها حافظة للقيم الإنسانية. في حقب الأزمات المتعاقبة، من الحروب إلى الحصار ثم سنوات العنف الطائفي، ظلت المرأة صمام الأمان الذي يحفظ تماسك الأسرة والمجتمع.
لتقود المرأة العراقية معركتها ضد التطرف عبر مسارات متعددة. في البيت، تكون الأم هي المربية الأولى التي تغرس في أبنائها قيم التسامح وقبول الآخر، وتشكل وعيهم المبكر عبر الحكايات والتوجيه اليومي. في المدرسة والجامعة، تتحول المعلمة إلى مرشدة نفسية واجتماعية تكتشف مبكراً بوادر التطرف وتعمل على معالجتها.
وفي المجتمع، تبرز المبادرات النسوية المبدعة التي تعيد بناء الثقة بين المكونات المختلفة. نساء عراقيات أسسن مراكز للإرشاد الأسري، ونظمن قوافل للحوار المجتمعي، وأطلقن مشاريع لرعاية الأيتام وإعادة تأهيل المتأثرين بالصراعات. هذه الجهات أصبحت خلايا مجتمعية ناشطة تعيد نسج العلاقات الإنسانية المقطوعة.
وثمة قصص مؤثرة لنساء حوّلن المأساة إلى فرصة للتغيير. أمهات فقدن أبناءهن في العنف فكرسن حياتهن لإنقاذ شباب آخرين من براثن التطرف. معلمات طورن مناهج تعليمية بديلة تعزز المواطنة وقبول التنوع. ناشطات أسسن حركات شبابية تعيد تعريف الهوية العراقية بعيداً عن الانقسامات.
ورغم هذا الدور المحوري، تواجه المرأة العراقية عقبات جمة. فالقوالب الاجتماعية التقليدية تحد أحياناً من حركتها، ونقص الدعم المؤسسي يعيق مبادراتها. كما أن تمثيلها في مراكز صنع القرار لا يزال دون المأمول، مما يحد من تأثيرها في السياسات العامة.
ويقتضي تعزيز دور المرأة استراتيجيات متكاملة. من الضروري إشراكها في وضع السياسات التربوية

والأمنية، وتوفير الدعم المادي والمعنوي لمشاريعها المجتمعية، وإتاحة الفرص لها لإسماع صوتها في وسائل الإعلام والمحافل العامة. كما أن تطوير برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة يمكنها من مواجهة خطاب التطرف بأساليب علمية حديثة.
وختاماً فأن المرأة العراقية ليست مجرد شريكة في بناء السلام، بل هي أساسه وركيزته. إنها تمتلك مقومات فريدة، من عمق التأثير التربوي إلى المرونة النفسية والقدرة على الحوار. بإمكانها أن تكون الجسر الذي يعبر عليه العراق من مرحلة الصراع إلى مرحلة التعايش، ومن ثقافة العنف إلى ثقافة السلام. دعمها اليوم هو استثمار في مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للعراق.

رئيس التحرير