مؤسسة تحقيق آمال المرأة… من فكرة صغيرة إلى حركة نسوية في النجف

مؤسسة تحقيق آمال المرأة… من فكرة صغيرة إلى حركة نسوية في النجف

خطوة / النجف

في أحد أزقة النجف القديمة، حيث تختلط أصوات الباعة برائحة الخبز الطازج، تسير آلاء التميمي بخطى هادئة ولكن واثقة. وجهها يحمل ملامح امرأة عرفت التحدي مبكرًا، وسارت عكس التيار حتى صنعت لنفسها طريقًا خاصًا عنوانه الإصرار والأمل. ولدت آلاء عام 1971 في بغداد، ونشأت في أسرة آمنت بأن تعليم المرأة هو أساس قوتها. ومع انتقال العائلة إلى النجف في طفولتها، واجهت بيئة اجتماعية محافظة لم تمنعها من إكمال حلمها، فدرست الفقه في جامعة الكوفة متحدّية النظرة النمطية حول ما يمكن أن تفعله المرأة أو تصل إليه. تقول آلاء: “كنت أؤمن أن المرأة قادرة على التغيير، فقط تحتاج إلى من يمنحها الفرصة

بداية المشوار من فكرة إلى مؤسسة

من الاحتكاك اليومي بالنساء في النجف، رأت آلاء حجم المعاناة التي تعيشها الأرامل والمطلقات والفتيات المحرومات من التعليم. فكرة صغيرة راودتها في ذلك الوقت: لماذا لا تكون هناك مؤسسة تمنح المرأة الأمل وتساعدها على بناء مستقبلها؟ في عام 2005 تحوّل الحلم إلى واقع، حين أسست آلاء “مؤسسة تحقيق آمال المرأة” بمساعدة مجموعة من المتطوعات. لم يكن التمويل متاحًا بسهولة، فبدأت بمبادرات بسيطة بمدخراتها الخاصة مثل دورات محو الأمية ودروس الحرف اليدوية وجلسات الدعم النفسي والاجتماعي. ورغم بساطتها، كانت تلك الأنشطة بمثابة الشرارة التي أضاءت طريق نساء كثيرات

التحديات والنجاح وسط العواصف

لم تكن الطريق مفروشة بالورود، فالتقلبات السياسية والاقتصادية في العراق انعكست على عمل المؤسسة. لكن آلاء لم تستسلم، بل لجأت إلى الشراكات المحلية وحملات التبرع الشعبية لتستمر في نشاطها. تروي المتطوعة زينب الساعدي: “كنا نعمل أحيانًا دون مقابل، لأننا كنا نؤمن بما تفعله آلاء. كانت تحفزنا دائماً وتقول إننا نبني جيلاً جديدًا.”

إنجازات ترويها الأرقام والقصص

بمرور السنوات، بدأت نتائج الجهد تظهر، فقد تمكنت المؤسسة من محو أمية أكثر من 500 امرأة وتدريب العشرات على الخياطة والحرف اليدوية وتوفير فرص دخل مستقل للأرامل والمطلقات. تقول المستفيدة أم أحمد: “تعلمت الخياطة في المؤسسة بعد وفاة زوجي. اليوم أعيش من عملي وأعيل أطفالي. غيرت المؤسسة حياتي بالكامل.”

توسع وتأثير في المجتمع

تحولت المؤسسة إلى عنوان رئيسي لتمكين النساء في النجف. توسعت أنشطتها لتشمل التوعية الصحية وورش حقوق المرأة وبرامج دعم الفتيات للعودة إلى الدراسة، إلى جانب تنظيم بازارات للحرفيات فتحت لهن أبواب سوق العمل. وتشير الناشطة هدى علي إلى أن “آلاء كانت رائدة في إطلاق البازارات النسوية، وساهمت في تغيير صورة المرأة في المجتمع النجفي من التبعية إلى الإنتاج والمشاركة الفاعلة.”

قصص تلهم الأمل

لم يكن النجاح جماعيًا فقط، بل شخصيًا أيضًا. سعاد، إحدى المستفيدات، تروي أنها لجأت إلى المؤسسة بعد معاناتها من العنف الأسري، وهناك وجدت الأمان والدعم النفسي والقانوني الذي مكّنها من بدء حياة جديدة. وتقول: “المؤسسة كانت عائلتي الثانية. تعلمت فيها أن أطالب بحقي وأثق بنفسي.”

التكريم والاعتراف

نال عمل آلاء التميمي تقديرًا محليًا ودوليًا، حيث كُرّمت من محافظة النجف ومن منظمات نسوية عراقية ودولية تقديرًا لجهودها في دعم وتمكين المرأة. لكنها ترى أن الجائزة الحقيقية هي “عندما ترى امرأةً خرجت من الظل إلى النور، وبدأت حياة جديدة بكرامة.”

اثر دائم ورؤية مفتوحة للمستقبل

لم تعد مؤسسة تحقيق آمال المرأة مجرد مركز تدريبي، بل أصبحت رمزًا للتكافل الاجتماعي والتغيير الإيجابي. رجال كثيرون باتوا يشجعون زوجاتهم وبناتهم على التعليم والعمل، بفضل الثقة التي زرعتها المؤسسة في المجتمع. آلاء لا تزال تحلم بأن تمتد المؤسسة إلى كل محافظات العراق، وأن تكون كل امرأة عراقية قادرة على أن تصنع قصتها الخاصة، مثلما صنعت هي قصتها من الصفر.

أثر المؤسسة على المجتمع النجفي

ساهمت “مؤسسة تحقيق آمال المرأة” في تغيير النظرة المجتمعية لدور المرأة، وأصبحت نموذجًا للتكافل الاجتماعي والتطوير الذاتي. كثير من الرجال باتوا يشجعون زوجاتهم وبناتهم على التعلم والعمل، وأصبح للمؤسسة دور مهم في حل المشكلات الأسرية وتقديم الاستشارات .

الخاتمة

إن قصة آلاء محمد علي التميمي ليست مجرد قصة نجاح فردي، بل هي حكاية عن الإيمان بالقدرة على التغيير، مهما كانت الظروف صعبة. علمتنا آلاء أن الإصرار، والإيمان بالرسالة، وحب الوطن والناس يمكن أن يخلقوا معجزات حقيقية. اليوم، تسير آلاء بخطى ثابتة، تزرع الأمل وتحقق الأحلام، لتبقى المرأة العراقية قدوة لجميع النساء .

رئيس التحرير