خبز الصباح وأحلام مؤجلة

النجف / وكالة خطوة للانباء

في أحد أزقة مدينة النجف القديمة، حيث تختلط رائحة الخبز الحار بصوت الباعة المتجولين وأحاديث النساء عند الأبواب، تعيش أم علي، امرأة تجاوزت الخمسين بقليل، لكنها تبدو أكبر من عمرها بسبب السنوات الثقيلة التي مرت عليها. ترتدي عباءة سوداء بسيطة، وتحمل في ملامحها تعب مدينة كاملة، إلا أن عينيها بقيتا تحتفظان ببريق لا يخبو، بريق امرأة قاومت الحياة ولم تسمح لها أن تنكسر.

ولدت أم علي في أحد الأحياء الشعبية القريبة من مركز المدينة، في بيت صغير يضم سبعة أفراد. كان والدها عاملاً بسيطاً في سوق النجف القديم، بينما كانت والدتها تخيط الملابس للنساء من أجل إعالة الأسرة. منذ طفولتها، تعلّمت أن الحياة لا تمنح شيئاً مجاناً، وأن على الإنسان أن يعمل بصمت كي يبقى واقفاً.

لم تدخل المدرسة سوى لسنوات قليلة. تقول وهي تبتسم بحزن: “كنت أحب القراءة كثيراً، لكن الفقر كان أسرع من أحلامي”. تركت الدراسة وهي في الثانية عشرة من عمرها لتساعد والدتها في أعمال الخياطة والتنظيف داخل البيوت. كانت تقضي ساعات طويلة وهي تحمل الماء أو ترتب المنازل، فيما كانت تراقب الفتيات في عمرها وهن يذهبن إلى المدرسة بملابس نظيفة وحقائب ملوّنة.

تزوجت أم علي في سن مبكرة من رجل يعمل سائق سيارة أجرة. لم يكن الزواج حلماً رومانسياً كما كانت تسمع في الحكايات، بل كان انتقالاً من مسؤولية إلى أخرى. ومع ذلك، تقول إنها حاولت أن تبني بيتاً مستقراً وأن تمنح أبناءها حياة أفضل مما عاشته.

أنجبت أربعة أطفال، وكان زوجها يعمل لساعات طويلة لتأمين احتياجات الأسرة. لكن السنوات لم تكن رحيمة. بعد عام 2003، تغيّرت الحياة كثيراً في المدينة. ارتفعت الأسعار، وازدادت البطالة، وأصبحت الحياة أكثر صعوبة على العائلات الفقيرة. ثم جاءت الضربة الأقسى حين تعرض زوجها لجلطة أقعدته عن العمل.

في تلك اللحظة، وجدت أم علي نفسها أمام خيارين: إما الاستسلام للفقر، أو مواجهة الحياة وحدها. اختارت الطريق الأصعب. بدأت بإعداد الخبز والصمون في منزلها وبيعه للجيران. كانت تستيقظ قبل أذان الفجر بساعتين، تعجن الطحين بيديها المتعبتين، وتشعل التنور الصغير في فناء المنزل. ومع أول خيط للشمس، تكون قد انتهت من إعداد عشرات الأرغفة التي يشتريها سكان الحي.

شيئاً فشيئاً، صار اسمها معروفاً في المنطقة. لم يكن الناس يشترون الخبز فقط، بل كانوا يشترون طيبة امرأة تقف خلف التنور رغم المرض والتعب. تقول إحدى جاراتها: “أم علي عمرها ما ردّت محتاج. حتى لو ما عنده فلوس، تعطيه الخبز وتقول: الله يفرجها عليك”.

لكن خلف هذه الصورة القوية، تخفي المرأة وجعاً كبيراً. ابنها الأكبر ترك الدراسة ليعمل في ورشة حدادة ويساعد العائلة، فيما هاجر ابنها الثاني إلى مدينة أخرى بحثاً عن فرصة عمل. أما ابنتها، فقد تزوجت مبكراً مثل أمها، لتبدأ دورة جديدة من المعاناة التي تعرفها نساء كثيرات في الأحياء الفقيرة.

تجلس أم علي كل مساء قرب باب منزلها، تراقب المارة بصمت. تقول إن أكثر ما يؤلمها ليس الفقر، بل شعور الإنسان بأنه منسي. “نحن نعيش ونموت بصمت”، تقول وهي تنظر إلى الشارع الضيق، “لا أحد يسمع تعب الناس البسطاء”.

ورغم ذلك، لا تزال تحتفظ بأمل صغير. تحلم أن ترى حفيدتها تكمل تعليمها وتدخل الجامعة. تؤمن أن التعليم هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقذ الفتيات من حياة الشقاء المبكر. ولهذا، تصرّ على شراء الدفاتر والكتب لحفيدتها حتى لو اضطرت للعمل ساعات إضافية.

في الشتاء الماضي، تضرر جزء من سقف منزلها بسبب الأمطار الغزيرة. تسربت المياه إلى الغرف، وأصبح المنزل مهدداً بالسقوط. لم تستطع العائلة تحمل تكاليف الترميم، فاكتفى الجيران بمساعدتها عبر جمع مبلغ بسيط لإصلاح الجزء الأكثر خطورة. بالنسبة لها، كانت تلك المساعدة دليلاً على أن الخير لا يزال موجوداً بين الناس، حتى في أصعب الظروف.

النساء في الحي يعتبرن أم علي نموذجاً للصبر. فهي لا تشتكي كثيراً، ولا ترفع صوتها، لكنها تحمل قوة خفية تجعلها قادرة على الاستمرار. حين تسألها عن سر هذه القوة، تضحك قائلة: “إذا الأم تعبت واستسلمت، من يبقى للبيت؟”.

قصة أم علي ليست استثناءً في النجف، بل تشبه حكايات مئات النساء اللواتي يحملن عبء الحياة بصمت. نساء يعملن في الخياطة، أو إعداد الطعام، أو تنظيف البيوت، من أجل إعالة أسرهن وسط ظروف اقتصادية صعبة. كثيرات منهن لم يحصلن على فرصة التعليم أو العمل الرسمي، لكنهن أصبحن عماداً حقيقياً لعائلاتهن.

في الأزقة القديمة للمدينة، يمكن رؤية وجوه تشبه وجه أم علي كثيراً؛ وجوه حفرتها الشمس والتعب، لكنها ما زالت قادرة على الابتسام. وربما لهذا تبدو النجف مدينة مختلفة، مدينة تحمل داخلها حكايات لا تُروى كثيراً، عن نساء مجهولات يصنعن الحياة كل يوم دون ضجيج.

قبل أن تنتهي المقابلة، عادت أم علي إلى التنور لتتفقد أرغفة الخبز. كانت النار تشتعل بهدوء، فيما امتلأت الساحة الصغيرة برائحة الطحين الساخن. سألتها إن كانت تتمنى لو عاشت حياة مختلفة، فتوقفت قليلاً ثم قالت: “أكيد كنت أتمنى أتعلم وأرتاح أكثر… لكن الحمد لله، أهم شيء أولادي بقوا واقفين على رجلهم”.

ثم ابتسمت، وعادت إلى عملها كأن شيئاً لم يكن. في تلك اللحظة، بدت أم علي أكبر من مجرد امرأة نجفية بسيطة؛ بدت كصورة لمدينة كاملة، مدينة تعرف الألم جيداً، لكنها تواصل الحياة رغم كل شيء.

 

 

رئيس التحرير