عدسة فاطمة… حين تتحول الصورة إلى نجاة

النجف/ وكالة خطوة للانباء

في مدينة النجف حيث تختلط أصوات الزائرين بنداءات الباعة وروائح القهوة والخبز الخارج من التنانير القديمة، تعيش فاطمة حسن شابة لم تتجاوز الرابعة والعشرين من عمرها لكنها تحمل في قلبها ما يكفي من التجارب لتروي عمرًا كاملاً.

تعمل فاطمة في مجال التصوير الفوتوغرافي منذ عام 2020، وتمضي أيامها بين عدسات الكاميرا، وضجيج الحياة، ومسؤولية تربية ثلاثة أطفال صغار، في رحلة ليست سهلة لامرأة شابة تحاول أن تجد لنفسها مكانًا وسط مجتمع لا يزال ينظر أحيانًا بحذر إلى عمل النساء خلف الكاميرا.

ولدت فاطمة في أحد الأحياء الشعبية القريبة من المدينة القديمة. كانت الابنة الكبرى لعائلة بسيطة تعتمد على دخل والدها الذي كان يعمل في محل صغير لبيع المواد الكهربائية، بينما كانت والدتها تدير شؤون البيت بصبر النساء العراقيات المعروف. منذ طفولتها، أحبت فاطمة التفاصيل الصغيرة؛ كانت تراقب انعكاس الضوء على الجدران، وتحب الاحتفاظ بالصور القديمة داخل صندوق خشبي صغير تحت سريرها.

تقول فاطمة وهي تبتسم بهدوء:
“كنت أشعر أن الصورة توقف الزمن… وأن الإنسان يستطيع أن يحتفظ باللحظة حتى لو ضاعت الأيام”.

لكن حياتها لم تكن مرفهة. بعد انتهاء المرحلة المتوسطة، اضطرت إلى ترك الدراسة بسبب الظروف المادية، خصوصًا بعد مرض والدها وتراجع دخل الأسرة. شعرت يومها أن أحلامها بدأت تضيق، وأن العالم أصبح أكبر من قدرتها على الوصول إليه. ومع ذلك، لم تتخلَّ عن فضولها تجاه التصوير.

في عام 2020، وخلال فترة الحجر الصحي التي فرضتها جائحة كورونا، بدأت قصتها الحقيقية مع الكاميرا. كانت تمتلك هاتفًا بسيطًا فقط، لكنها صارت تلتقط صورًا لكل شيء حولها؛ الأطفال في الأزقة، السماء وقت الغروب، النساء وهن يحملن أكياس الخبز، والرجال الجالسين بصمت أمام المحلات المغلقة. كانت تنشر الصور على مواقع التواصل الاجتماعي دون أن تتوقع أن يلتفت أحد إليها.

شيئًا فشيئًا، بدأ الناس يعجبون بطريقة التقاطها للصور. كانت صورها مختلفة؛ لا تبحث عن التجميل المصطنع، بل عن الحقيقة. كانت تحاول أن تُظهر المشاعر المختبئة في الوجوه والتفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون.

بعد أشهر قليلة، اقترضت مبلغًا بسيطًا من شقيقها واشترت أول كاميرا مستعملة. تتذكر تلك اللحظة وكأنها حدثت أمس، وتقول:
“حين أمسكت الكاميرا لأول مرة شعرت أنني أملك شيئًا يشبه الحرية”.

لكن الطريق لم يكن سهلًا. المجتمع المحيط بها لم يتقبل الفكرة بسرعة. كثيرون كانوا يرون أن التصوير مهنة صعبة لامرأة شابة، خاصة حين تضطر للخروج إلى أماكن مختلفة أو العمل في المناسبات العامة. سمعت تعليقات كثيرة تُحبطها، وبعض الأقارب نصحوها بأن تترك الفكرة “حتى لا تتعب نفسها”.

رغم ذلك، أصرت فاطمة على الاستمرار.في عمر التاسعة عشرة، تزوجت من شاب يعمل في محل للهواتف المحمولة. لم يكن الزواج نهاية أحلامها كما تخيلت في البداية، بل بداية مرحلة أكثر صعوبة. خلال سنوات قليلة، أصبحت أمًا لثلاثة أطفال، وتحولت حياتها إلى سباق يومي بين البيت والعمل والأمومة.

كانت تستيقظ قبل شروق الشمس لتحضير الفطور، وتنظيف المنزل، والاهتمام بأطفالها، ثم تخرج أحيانًا لتصوير جلسات عائلية أو حفلات تخرج أو مناسبات نسائية. وفي الليل، بعد أن ينام الجميع، تجلس لساعات طويلة تعدّل الصور على حاسوب قديم بطيء بالكاد يعمل.

تقول:
“أحيانًا كنت أنام ساعتين فقط… لكنني كنت أشعر أنني أبني شيئًا يخصني”.

ومع مرور الوقت، بدأ اسم فاطمة يُعرف أكثر داخل المدينة. النساء أصبحن يطلبنها لتصوير حفلات الخطوبة والتخرج، لأنها كانت تمنح الصور إحساسًا دافئًا وبسيطًا بعيدًا عن المبالغة. لم تكن ترى التصوير مجرد مهنة، بل محاولة لحفظ الذكريات الهاربة.

في إحدى المرات، طُلب منها تصوير أم تحتضن طفلها المريض داخل المستشفى. بعد انتهاء الجلسة، بكت فاطمة طويلًا وهي تنظر إلى الصور. شعرت يومها أن الكاميرا ليست آلة فقط، بل وسيلة لنقل الألم والحب والخوف والأمل في لحظة واحدة.

لكن النجاح البسيط الذي حققته لم يلغِ التعب. كانت تواجه ضغطًا نفسيًا كبيرًا بسبب المسؤوليات الكثيرة. أحيانًا يمرض أحد أطفالها في يوم لديها فيه عمل مهم، فتضطر للاعتذار وخسارة المبلغ. وأحيانًا أخرى، كانت تحمل طفلها الصغير معها أثناء التصوير لأن لا أحد يبقى معه في البيت.

في الشتاء الماضي، تعطلت كاميرتها الرئيسية بعد سقوطها أثناء العمل. جلست يومها تبكي بصمت لأنها لم تكن تملك ثمن التصليح. بالنسبة لها، لم تكن الكاميرا مجرد أداة عمل، بل مصدر رزق وأمل ومستقبل.

لكن ما حدث بعدها أعاد إليها شيئًا من الإيمان بالناس. حين علمت إحدى صديقاتها بالأمر، أطلقت حملة صغيرة عبر الإنترنت لمساعدتها، وخلال أيام تمكنت فاطمة من إصلاح الكاميرا وشراء عدسة جديدة أيضًا.

تقول وهي تضحك:
“وقتها حسّيت أن تعبي ما راح هدر”.

ورغم صغر سنها، تحمل فاطمة أفكارًا ناضجة عن الحياة. تؤمن أن النساء العراقيات يملكن طاقة هائلة على المقاومة، حتى وإن لم يتحدث أحد عنهن. تقول إن المرأة تستطيع أن تكون أمًا وزوجة وعاملة في الوقت نفسه، لكنها تحتاج فقط إلى من يؤمن بها بدل أن يحاصرها بالخوف والكلام.

 

تحلم فاطمة اليوم بأن تفتح استوديو تصوير خاصًا بها يحمل اسم “ظل”، ليكون مكانًا بسيطًا وآمنًا للفتيات اللواتي يرغبن في دخول عالم التصوير. كما تحلم بإكمال دراستها التي توقفت مبكرًا، وتقول إنها لا تزال تحب القراءة والكتابة رغم ضيق الوقت.

وفي كل مرة تلتقط صورة جديدة، تشعر أنها تنتصر قليلًا على الظروف التي حاولت أن تجعل حياتها عادية وصامتة.

جاراتها في الحي يعتبرنها مثالًا للبنت المكافحة. فهي لا تشتكي كثيرًا رغم التعب، ولا تحاول أن تظهر نفسها بصورة مثالية. يرينها كل يوم تحمل أطفالها بيد، والكاميرا باليد الأخرى، وتسير بسرعة بين مسؤوليات لا تنتهي.

تقول  لمياء إحدى قريباتها:
“فاطمة قوية أكثر مما تبدو… الحياة علمتها تعتمد على نفسها بسرعة”.

في المساء، حين يهدأ البيت وينام الأطفال، تجلس أحيانًا قرب النافذة تتصفح الصور التي التقطتها خلال السنوات الماضية. تشاهد وجوهًا كثيرة مرت أمام عدستها؛ أطفالًا يضحكون، أمهات يبكين، عرائس يبتسمن بخجل، وشيوخًا يحملون تعب العمر في أعينهم.

وتدرك مع كل صورة أن الحياة، مهما كانت قاسية، ما زالت مليئة باللحظات التي تستحق أن تُحفظ.

قبل نهاية الحديث معها، سألتها إن كانت تشعر أنها حققت شيئًا حتى الآن. صمتت قليلًا، ثم نظرت إلى أطفالها الذين كانوا يلعبون قربها وقالت:
“يمكن ما حققت كل أحلامي بعد… لكني فخورة أن أطفالي يشوفوني أشتغل وأحاول، مو أستسلم”.

ثم حملت كاميرتها، وعدّلت حجابها بسرعة، واستعدت للخروج إلى موعد تصوير جديد.

في تلك اللحظة، بدت فاطمة أكبر من مجرد مصورة شابة من النجف؛ بدت كامرأة تحاول أن تصنع لنفسها ضوءًا صغيرًا وسط كل هذا التعب… امرأة تؤمن أن الصورة قد لا تغيّر العالم، لكنها على الأقل قادرة على إنقاذ لحظة من الضياع.

رئيس التحرير