حين تحوّل فتاة نجفية أحلامها إلى لوحات تنبض بالحياة
النجف/ وكالة خطوة للانباء
حين تنمو الأحلام بصمت بين الأزقة والأسواق الشعبية، وُلدت هبة علاء التي تبلغ الثامنة عشرة من عمرها لكنها استطاعت أن ترسم لنفسها مكانًا واضحًا في عالم الفن التشكيلي، رغم صغر سنها وكثرة التحديات التي واجهتها.
منذ طفولتها، كانت هبة مختلفة عن بقية الأطفال. لم تكن الألعاب التقليدية تستحوذ على اهتمامها طويلًا، بل كانت تميل إلى حمل الأقلام والألوان، والجلوس لساعات أمام دفاتر الرسم. كانت ترى في الورقة البيضاء مساحة واسعة للهروب من الضجيج، ومكانًا تستطيع فيه التعبير عن كل ما تعجز الكلمات عن قوله.
تقول والدتها إن هبة بدأت الرسم وهي في السادسة من عمرها، حين رسمت أول لوحة لبيتهم القديم في النجف مستخدمة أقلامًا خشبية بسيطة. يومها لم يكن أحد يتوقع أن تلك الطفلة الهادئة ستكبر وهي تحمل هذا الشغف الكبير بالفن، وتحوّله إلى مشروع حياة.
كبرت هبة، وكبرت معها موهبتها. في المدرسة، كانت معلماتها يلفتن الانتباه دائمًا إلى دقة رسوماتها وتفاصيلها المدهشة. كانت ترسم الوجوه بحرفية، وتنجح في نقل المشاعر داخل العيون بطريقة تثير دهشة كل من يشاهد أعمالها. لم تكن ترسم لمجرد التسلية، بل كانت تعتبر كل لوحة رسالة تحمل جزءًا من روحها.
ورغم أن المجتمع في بعض الأحيان لا يمنح الفنون اهتمامًا كبيرًا، خصوصًا للفتيات الصغيرات، فإن هبة أصرت على الاستمرار. كانت تؤمن أن الفن ليس رفاهية، بل لغة قادرة على تغيير الإنسان وإحياء الأمل داخله. لهذا السبب، لم تسمح للظروف أو التعليقات المحبطة بأن توقفها.
في سن الرابعة عشرة، بدأت تنشر رسوماتها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. لم تكن تتوقع أن تلقى أعمالها كل ذلك التفاعل، لكن موهبتها الحقيقية جذبت الكثير من المتابعين الذين أعجبوا بطريقة استخدامها للألوان، وقدرتها على تجسيد المشاعر الإنسانية داخل اللوحات.
ومع مرور الوقت، بدأت الدعوات تصل إليها للمشاركة في معارض فنية محلية داخل النجف وخارجها. كانت تلك اللحظة نقطة تحول كبيرة في حياتها، لأنها للمرة الأولى شعرت أن حلمها الصغير بدأ يتحول إلى واقع حقيقي.
شاركت هبة في عدة معارض فنية شبابية، وقدمت لوحات متنوعة تناولت المرأة العراقية، والطفولة، والحياة اليومية في المدن القديمة، إضافة إلى لوحات تعبّر عن الحزن والأمل والصبر. كانت لوحاتها تحمل شيئًا مختلفًا؛ مزيجًا من البساطة والعمق، يجعل المشاهد يقف طويلًا أمامها.
في أحد المعارض، عرضت لوحة لامرأة نجفية تجلس قرب نافذة قديمة وهي تحمل مسبحة بيدها، بينما تنظر إلى الشارع بصمت عميق. تلك اللوحة تحديدًا أثارت إعجاب الحضور، لأن هبة استطاعت أن تنقل مشاعر الانتظار والتعب والأمل في آن واحد، دون أن تكتب كلمة واحدة.
ورغم النجاح الذي بدأت تحققه، لم تكن الطريق سهلة أبدًا. واجهت هبة صعوبات عديدة، أهمها التوفيق بين الدراسة وشغف الرسم، إضافة إلى قلة الإمكانيات المادية أحيانًا. كانت بعض أدوات الرسم الاحترافية باهظة الثمن، لكنها لم تستسلم. كانت توفر من مصروفها الخاص لتشتري الألوان واللوحات، وأحيانًا تعيد استخدام أدوات قديمة كي تستمر في العمل.
كما واجهت نظرة بعض الناس الذين اعتبروا أن الفن لا يمكن أن يكون مستقبلًا حقيقيًا. لكن هبة كانت ترد على ذلك بالصمت والعمل. كانت تؤمن أن النجاح لا يحتاج إلى جدال، بل إلى إصرار واستمرار.
أصدقاؤها يصفونها بأنها هادئة جدًا، لكنها تتحول إلى شخص مختلف حين تبدأ بالرسم. تنسى الوقت، وتدخل في عالمها الخاص، وكأن اللوحة تصبح نافذتها الوحيدة نحو الحياة. أما هي فتقول إن الرسم أنقذها من الكثير من الضغوط النفسية، ومنحها القوة لتعبّر عن نفسها بحرية.
ولأنها ابنة النجف، فقد انعكس طابع المدينة بشكل واضح على أعمالها. الأزقة القديمة، الأبواب التراثية، العباءات السوداء، الوجوه البسيطة، والمآذن التي تعانق السماء، كلها عناصر حاضرة داخل لوحاتها. كانت تحاول دائمًا أن تنقل جمال مدينتها بطريقة فنية مختلفة، لتؤكد أن النجف ليست مدينة دينية فقط، بل مدينة مليئة بالحياة والفن والقصص الإنسانية.
ومع ازدياد شهرتها داخل الوسط الفني الشبابي، بدأت هبة تحلم بشكل أكبر. لم يعد هدفها مجرد المشاركة في المعارض المحلية، بل أصبحت تطمح لإقامة معرضها الشخصي الأول، وأن تصل أعمالها إلى خارج العراق. كما تحلم بدراسة الفنون الجميلة بشكل أكاديمي، لتطوير موهبتها وصقل تجربتها الفنية.
وفي إحدى المقابلات المحلية، قالت هبة عبارة لاقت انتشارًا واسعًا
“الفن لا يحتاج عمرًا طويلًا كي ينجح، بل يحتاج قلبًا صادقًا يرى الأشياء بطريقة مختلفة.”
هذه العبارة لخصت شخصيتها تمامًا؛ فتاة صغيرة في العمر، لكنها تحمل وعيًا فنيًا وإنسانيًا كبيرًا. كانت تدرك أن النجاح الحقيقي لا يقاس بعدد المعارض فقط، بل بقدرة الفنان على ترك أثر داخل الناس.
اليوم، أصبحت هبة علاء مصدر إلهام للكثير من الفتيات في النجف، خصوصًا لمن يمتلكن مواهب فنية ويخشين خوض التجربة. فقد أثبتت أن العمر ليس عائقًا، وأن الموهبة حين تقترن بالإصرار يمكن أن تفتح أبوابًا واسعة نحو النجاح.
ورغم كل ما حققته حتى الآن، ما تزال هبة تنظر لنفسها كطالبة تتعلم كل يوم. تقضي ساعات طويلة في مشاهدة أعمال الفنانين العالميين، وتجربة أساليب جديدة، والبحث عن أفكار مختلفة تضيفها إلى لوحاتها. فهي تؤمن أن الفنان الحقيقي لا يتوقف عن التطور أبدًا.
وفي مساءات النجف الهادئة، حين تخف الأصوات وتغلق الأسواق أبوابها، تجلس هبة أمام لوحاتها، تحمل فرشاتها الصغيرة، وتبدأ برسم عالمها الخاص من جديد. عالم مليء بالألوان والأحلام والوجوه التي تحمل قصصًا لا تنتهي.
قد تكون هبة علاء في بداية الطريق فقط، لكن خطواتها الأولى كانت قوية بما يكفي لتلفت الانتباه، وتؤكد أن النجف ما تزال تنجب مواهب قادرة على صناعة الجمال وسط كل الظروف.
إنها ليست مجرد رسامة شابة، بل حكاية فتاة آمنت بموهبتها، فحوّلت الشغف إلى رسالة، والألوان إلى لغة يفهمها الجميع.