حين تنتصر المرأة على الظروف
خطوة للانباء/ النجف
حيث تمضي الحياة بين الأزقة القديمة والأسواق الشعبية وصوت النساء المنهمكات في تفاصيل يومية لا تنتهي، تعيش جميلة عنوز، امرأة تبلغ من العمر ثمانيةً وثلاثين عامًا، استطاعت أن تحوّل التعب والخوف وضغط الحياة إلى قصة نجاح صنعتها بيديها داخل معمل خياطة بسيط.
جميلة، وهي أم لثلاثة أطفال، لم تكن تتخيل يومًا أن تصبح المعيل الأساسي لعائلتها، أو أن تجد نفسها في مواجهة حياة مليئة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية. لكنها مثل كثير من النساء العراقيات، تعلّمت أن الظروف القاسية لا تمنح الإنسان وقتًا طويلًا للتردد، بل تدفعه إلى الوقوف من جديد مهما كان التعب كبيرًا.
نشأت جميلة في عائلة بسيطة في النجف، وكانت منذ صغرها تميل إلى الأعمال اليدوية والخياطة. كانت تراقب والدتها وهي تصلح الملابس القديمة وتحوّلها إلى قطع جديدة، فتشعر أن في الأمر نوعًا من الفن والحياة. ومع مرور السنوات، بدأت تتعلم الخياطة تدريجيًا حتى أصبحت تمتلك مهارة واضحة رغم أنها لم تدرسها أكاديميًا.
بعد زواجها، كرّست حياتها لعائلتها وأطفالها، وكانت تحلم بحياة مستقرة وهادئة كبقية النساء. لكن الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا الحياة أكثر تعقيدًا، خصوصًا مع ازدياد احتياجات الأطفال ومسؤوليات الأسرة.
في تلك الفترة، أدركت جميلة أن عليها أن تساعد في إعالة عائلتها، لكنها لم تكن تمتلك رأس مال أو فرصة عمل مريحة. لذلك قررت البحث عن أي عمل تستطيع من خلاله الاستفادة من مهارتها القديمة في الخياطة.
بدأت رحلتها من داخل معمل خياطة صغير في النجف. تتذكر يومها الأول هناك جيدًا؛ كانت متوترة وخائفة من الفشل، خصوصًا أنها لم يسبق لها العمل خارج المنزل بشكل مستمر. لكن الحاجة إلى تأمين حياة أفضل لأطفالها كانت أقوى من الخوف.
كان العمل شاقًا ومتعبًا. ساعات طويلة من الجلوس خلف ماكينة الخياطة، وسط ضجيج المعمل وحر الصيف وضغط الطلبات المتزايدة. ومع ذلك، كانت جميلة تذهب إلى العمل كل صباح بإصرار واضح، لأنها كانت ترى في ذلك المكان فرصة لإنقاذ عائلتها من الضيق.
تقول جميلة إن أصعب ما واجهته في البداية لم يكن التعب الجسدي، بل التوفيق بين مسؤوليات البيت والعمل. كانت تستيقظ فجرًا لتحضير الطعام وترتيب احتياجات أطفالها قبل الذهاب إلى المعمل، ثم تعود مساءً لتكمل بقية أعمال المنزل دون راحة حقيقية.
ورغم كل ذلك، لم تسمح لنفسها بالانكسار. كانت تؤمن أن المرأة قادرة على الجمع بين مسؤولياتها إذا امتلكت الإرادة والصبر.
إحدى زميلاتها في المعمل، وتُدعى أم حسن، تتحدث عنها قائلة:
“جميلة من أكثر النساء اجتهادًا داخل المعمل. كانت تعمل بصمت، لكنها لا تتوقف أبدًا. حتى حين تكون متعبة، تبقى مبتسمة وتحاول مساعدة الأخريات.”
ومع مرور الوقت، أصبحت جميلة من العاملات الماهرات في الخياطة. تعلّمت تفاصيل جديدة في تصميم الملابس وتشطيبها، واكتسبت خبرة جعلت إدارة المعمل تعتمد عليها في الأعمال الدقيقة والمهمة.
لكن النجاح لم يأتِ بسهولة. فقد مرت عليها أيام كانت تشعر فيها بالإرهاق الشديد، خصوصًا عندما يمرض أحد أطفالها أو تتراكم الالتزامات المالية فوق قدرتها. كانت أحيانًا تبكي بصمت في الليل، ثم تستيقظ في الصباح وكأن شيئًا لم يحدث.
زوجها، الذي يعمل بأجر يومي بسيط، كان يدعمها نفسيًا قدر الإمكان، لكنه كان يشعر بالحزن لأنه لا يستطيع وحده تغطية احتياجات الأسرة. لذلك أصبحت جميلة تعتبر عملها شراكة حقيقية في حماية بيتها وأطفالها.
ابنتها الكبرى، مريم، تقول عن والدتها:
“أمي علمتنا أن التعب ليس عيبًا، وأن الإنسان يجب أن يعمل بكرامة مهما كانت الظروف. رغم تعبها، كانت تهتم بنا دائمًا وتحرص على دراستنا.”
كانت جميلة تحرص على ألا يشعر أطفالها بثقل المسؤولية التي تحملها. تحاول أن توفر لهم حياة مستقرة قدر الإمكان، وتمنحهم شعورًا بالأمان رغم كل الضغوط التي تعيشها.
ومع ازدياد خبرتها، بدأت بعض النساء في المنطقة يطلبن منها خياطة الملابس من المنزل أيضًا. شيئًا فشيئًا، أصبحت تمتلك مصدر دخل إضافيًا ساعدها في تحسين وضع عائلتها ولو بشكل بسيط.
إحدى قريباتها تقول:
“جميلة غيّرتها الظروف، لكنها جعلتها أقوى. كانت امرأة هادئة جدًا، واليوم أصبحت تعرف كيف تواجه الحياة بثقة.”
لم يكن طموح جميلة كبيرًا أو معقدًا. كانت فقط تريد أن تضمن مستقبلًا أفضل لأطفالها، وأن تمنحهم فرصة للتعليم والحياة الكريمة. لذلك كانت تعتبر كل تعب تمر به استثمارًا من أجلهم.
وفي المعمل، أصبحت قصتها مصدر إلهام للكثير من النساء العاملات. كانت دائمًا تشجع العاملات الجديدات على الصبر وعدم الاستسلام، وتقول لهن إن البداية دائمًا تكون صعبة، لكن الإنسان يتعلم القوة مع الوقت.
ومع أن حياتها ما تزال مليئة بالتحديات، فإن جميلة تشعر اليوم بفخر كبير بنفسها. فهي لم تستسلم للظروف الاقتصادية، ولم تسمح للخوف أن يمنعها من العمل، بل استطاعت أن تثبت أن المرأة قادرة على الوقوف من جديد مهما كانت الضغوط كبيرة.
وفي زاوية صغيرة من معمل الخياطة، تجلس جميلة يوميًا خلف ماكينة الخياطة، تمرر القماش بين يديها بدقة وصبر، بينما تفكر في أطفالها ومستقبلهم. ربما تبدو تلك اللحظة عادية للكثيرين، لكنها بالنسبة لها معركة يومية تخوضها من أجل الحياة.
وفي مجتمع مليء بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، تبقى قصص النساء مثل جميلة دليلًا واضحًا على أن النجاح لا يحتاج دائمًا إلى المال أو الشهرة، بل يحتاج إلى قلب قوي يؤمن أن الغد يمكن أن يكون أفضل مهما كان الطريق صعبًا.