سنوات طويلة في السوق جعلت من أم حسين امرأة مختلفة

خطوة/ النجف

مع ساعات الفجر الأولى، وقبل أن تستيقظ مدينة النجف بالكامل، تكون أم حسين قد بدأت يومها الطويل. تحمل أكياس الخضروات بيديها المتعبتين، وترتب بضاعتها بعناية في زاوية صغيرة داخل السوق الشعبي، بينما يختلط صوت الباعة برائحة النعناع والطماطم الطازجة. هناك، وسط الحركة اليومية، تقف امرأة في الخامسة والخمسين من عمرها، ترتدي عباءة سوداء بسيطة، لكنها تحمل في قلبها قصة صبر وكفاح لا تشبه القصص العادية.

أم حسين، وهي أم لستة أبناء، لم تصل إلى السوق بدافع الطموح التجاري أو حب المهنة، بل دفعتها الحياة دفعًا بعد وفاة زوجها قبل سنوات، حين وجدت نفسها فجأة مسؤولة عن أسرة كاملة دون معيل.

تقول وهي ترتب صناديق الخيار والباذنجان أمامها:
“بعد وفاة زوجي شعرت أن الدنيا أصبحت ثقيلة جدًا، كنت أفكر فقط كيف سأطعم أولادي وأوفر لهم حياة كريمة.”

في البداية، حاولت الاعتماد على المساعدات البسيطة التي كانت تحصل عليها من بعض الأقارب والجيران، لكنها أدركت سريعًا أن تلك المساعدات لن تبني مستقبلًا لأطفالها. كانت تؤمن أن العمل، مهما كان متعبًا، يبقى أكثر كرامة من انتظار الحاجة.

وهكذا بدأت رحلتها مع بيع الخضروات في أحد أسواق النجف الشعبية.

 

بداية صعبة وسط مجتمع قاسٍ

لم يكن دخول امرأة خمسينية إلى سوق مكتظ بالرجال أمرًا سهلًا. في أيامها الأولى، واجهت نظرات الاستغراب وكلمات التشكيك، بل إن بعض الناس كانوا يرون أن مكان المرأة ليس بين الباعة وأصوات المزاد والصناديق الثقيلة.

تستعيد أم حسين تلك المرحلة بحزن واضح:
“كنت أرجع أحيانًا للبيت وأنا أبكي، ليس من التعب فقط، بل من الكلام الذي كنت أسمعه. البعض كان ينظر لي وكأنني ارتكبت خطأ لأنني أعمل.”

لكنها، رغم الألم، لم تتراجع. كانت تدرك أن أبناءها الستة بحاجة إليها، وأن الانكسار ليس خيارًا متاحًا لها.كانت تستيقظ قبل أذان الفجر لتذهب إلى سوق الجملة، تختار الخضروات بعناية، ثم تعود لتبدأ يوم البيع الطويل. وفي كثير من الأيام كانت تضطر لحمل الصناديق الثقيلة بنفسها بسبب عدم قدرتها على دفع أجور النقل.

ورغم التعب الجسدي، كانت أكثر ما يؤلمها هو الخوف من المستقبل، خاصة مع ازدياد احتياجات أبنائها الدراسية والمعيشية.

السوق.. مدرسة للصبر

مع مرور السنوات، أصبحت أم حسين معروفة بين زبائن السوق بصدقها وابتسامتها الهادئة. كانت تبيع بأسعار مناسبة، وتحرص دائمًا على إعطاء الزبون أفضل ما لديها، حتى لو كان ربحها قليلًا.

إحدى الزبونات الدائمات، وتدعى أم مصطفى، تقول عنها:
“أم حسين ليست مجرد بائعة خضار، هي امرأة محترمة جدًا. رغم ظروفها الصعبة لم نسمع منها يومًا كلمة شكوى، دائمًا مبتسمة وتتعامل بأخلاق.”

أما جارها في السوق، أبو علي، فيرى أن قصتها تمثل نموذجًا للكفاح الحقيقي:
“هذه المرأة تعبت أكثر من كثير من الرجال. كنا نراها تحمل الصناديق الثقيلة وحدها وتجلس بالسوق لساعات طويلة تحت الحر والبرد. لكنها لم تستسلم أبدًا.”

في حين تقول ابنتها الكبرى زهراء:
“أمي علمتنا أن التعب ليس عيبًا، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من الصفر مهما كانت ظروفه. نحن نفتخر بها كثيرًا.”

أم لستة أبناء.. وأب أيضًا

لم يكن دور أم حسين يقتصر على العمل فقط، بل كانت تحاول أن تعوض أبناءها عن غياب والدهم. كانت تحرص على متابعتهم دراسيًا رغم إرهاقها، وتوفر احتياجاتهم قدر الإمكان، حتى لو اضطرت للتنازل عن أبسط احتياجاتها الشخصية.

تقول:
“مرّت علينا أيام لم أكن أملك فيها سوى مبلغ بسيط، لكنني كنت أفضّل شراء احتياجات أطفالي على شراء أي شيء لنفسي.”

وبفضل إصرارها، تمكن بعض أبنائها من إكمال دراستهم والعمل لاحقًا لمساعدة العائلة. هذا الأمر جعلها تشعر أن سنوات التعب لم تذهب هباءً.

ورغم أن الحياة لم تمنحها الراحة الكاملة حتى اليوم، فإنها تشعر بالفخر لأنها استطاعت حماية أسرتها من الضياع.

تحديات يومية لا تنتهي

وراء بسطة الخضار الصغيرة، تخفي أم حسين معارك يومية لا يراها الكثيرون. ارتفاع أسعار البضائع، ضعف القدرة الشرائية، حرارة الصيف القاسية، وبرد الشتاء، كلها تفاصيل أصبحت جزءًا من حياتها اليومية.

تقول وهي تمسح العرق عن جبينها:
“أحيانًا أعود للبيت متعبة جدًا، لكنني أقول لنفسي إن التعب يهون عندما أرى أولادي بخير.”

كما تعاني من مشاكل صحية بسبب سنوات العمل الطويلة، خاصة آلام الظهر والمفاصل الناتجة عن حمل الصناديق الثقيلة والجلوس لساعات طويلة. لكنها رغم ذلك ترفض التوقف عن العمل.

وتضيف بابتسامة متعبة:
“طالما أستطيع الوقوف سأبقى أعمل، العمل أعطاني القوة وليس المال فقط.”

السوق الذي صنع امرأة قوية

سنوات طويلة في السوق جعلت من أم حسين امرأة مختلفة. لم تعد تخاف من مواجهة الحياة كما كانت في البداية، بل أصبحت أكثر صلابة وثقة بنفسها.

تعلمت كيف تدير المال، وكيف تتعامل مع الناس، وكيف تحافظ على كرامتها وسط الظروف الصعبة. كما أصبحت مصدر إلهام للعديد من النساء اللواتي يمررن بظروف مشابهة.

بعض النساء اللواتي يعرفن قصتها بدأن ينظرن للعمل بطريقة مختلفة، خاصة بعد أن رأين كيف استطاعت امرأة بسيطة أن تبني حياة مستقرة لعائلتها رغم قسوة الظروف.

رسالة أمل

حين تسأل أم حسين عن أكثر ما تتمنى، لا تتحدث عن المال أو الراحة، بل تقول:
“أتمنى فقط أن أرى أولادي مستقرين وسعداء، هذا يكفيني.”

قصة أم حسين ليست مجرد قصة بائعة خضروات في سوق شعبي، بل حكاية امرأة واجهت الفقد والفقر والنظرة القاسية للمجتمع، ثم اختارت أن تحارب بدلًا من أن تستسلم.

في كل صباح، حين تفتح بسطة الخضار الخاصة بها، لا تبيع الطماطم والخيار فقط، بل تقدم درسًا حيًا في الصبر والكرامة والعمل الشريف. وبين أصوات السوق وضجيجه، تظل أم حسين صورة لنساء كثيرات يحملن أعباء الحياة بصمت، ويصنعن من التعب نجاحًا لا يُقاس بالأموال، بل بالقدرة على الاستمرار رغم كل شيء.

وهكذا، تحولت المرأة التي دخلت السوق خوفًا من الحاجة، إلى رمز للكفاح في عيون من يعرفها، وإلى قصة نجاح حقيقية كتبتها سنوات طويلة من التعب والصبر والإيمان بأن العمل الشريف قادر دائمًا على منح الإنسان حياة تستحق الاحترام.

رئيس التحرير