في أحد أحياء مدينة النجف القديمة تتردد أصوات الحياة من بيت صغير تسكنة أم علي امرأة في الثالثة والثلاثين من عمرها متزوجة وأم لثلاثة أولاد. هناك بين تفاصيل الحياة اليومية البسيطة اختارت أم علي أن تجعل من أناملها قصة كفاح ونجاح فدخلت عالم صناعة السبح اليدوية من الخرز متحدية نظرة المجتمع وصعوبة الظروف الاقتصادية.
رحلة تحدٍ وإصرار
تقول ام علي ” منذ سبع سنوات حين اشتدت علينا الظروف وأثقل المرض كاهل زوجي وجدت نفسي مطالبة بأن أكون السند والمعيل لم تكن لدي خبرة سابقة في الصناعة لكنها كانت الموهبة التي ورثتها عن أمي. بدأت بمحاولات خجولة أبحث عن الخرز في الأسواق أجمع الألوان وأصنع سبحة تلو الأخرى أضع في كل حبة جزءاً من قلقي على أطفالي الثلاثة ومستقبلهم .
أصعب ما واجهته كان نظرة الناس كثيرون لم يتقبلوا فكرة أن امرأة تعمل في صناعة السبح بل وصُدمت بكلمات استهزاء أحياناً. لكني كنت أقول لنفسي “العمل شرف والحاجة أم الإبداع” لم يكن الحصول على الخامات سهلاً فغالباً ما أضطر للسفر إلى بغداد لشراء أفضل أنواع الخرز وأحياناً أجد نفسي مضطرة لاستخدام بقايا الخرز المتوافر فأصنع منها أجمل السبح
لم تكن الكهرباء متوفرة دائماً فعملت ليالٍ طويلة على ضوء الشموع لألبي طلبات زبائني القلائل. مع الوقت تعلمت مهارات التسويق البسيط عبر وسائل التواصل الاجتماعي فبدأ زبائني يتزايدون وصرنا نعتمد على دخل السبح بشكل كبير. اليوم صارت سبحاتي تصل إلى بغداد والبصرة والكويت أحياناً كل سبحة هي شهادة على صمود امرأة عراقية رفضت الاستسلام”
كواليس الدعم والقلق
زوج أم علي يقول “حين بدأت أم علي مشروعها الصغير لم أخفِ خوفي عليها. مجتمعنا صعب وسمعة المرأة العاملة ليست دائماً بخير لكن المرض أجبرني على التراجع خطوة للوراء، وأنا أرى زوجتي تتقدم خطوة للأمام. كانت أم علي تستيقظ باكراً، تهتم بالأولاد والمنزل ثم تجلس ساعات طويلة بين الخرز والإبر والأسلاك.
كنت أراقبها بصمت أحياناً أساعدها في جمع الخرز أو ترتيب الطلبات وكلما رأيت السبح تكتمل بين يديها يملؤني شعور بالفخر كنت أعلم مدى الضغوط النفسية التي تعيشها وقلة الموارد خوفها من أن تخذل أبناءها وأحياناً دموعها التي تختلط بالخرز في الليالي الصامتة. إلا أن نجاحها الصغير في بيع أول سبحة أعاد الأمل إلى بيتنا بدأنا نشعر أن الحياة ممكنة رغم شح المال والظروف. اليوم صارت سبحات أم علي تُطلب بالاسم وصار كثيرون من الجيران يغيرون رأيهم بعدما رأوا الإبداع والإصرار. أشعر حقاً بأن زوجتي صنعت مجدها من الخرز ومنحت أولادنا الأمل بمستقبل أفضل”
السبح التي تحمل روح امرأة
أحمد زبون دائم يقول “أعمل تاجراً في سوق النجف وأعرف أم علي منذ سنوات عندما اشتريت أول سبحة من صنعها لفتني إتقان العمل وتناسق الألوان لم تكن مجرد سبحة للذكر، بل قطعة فنية تحمل روحاً خاصة. في كل مرة ألتقي بأم علي أسمع منها قصصاً عن كل سبحة كيف مزجت ألوان الخرز أو أضافت قطعة تراثية لتعبر عن تراث النجف.
ما يميز سبحاتها ليس فقط الجودة بل أيضاً لمسة الأمومة والحنان التي تضعها في كل عمل صرتُ أشتري منها سبحات لأقاربي وأصدقائي حتى أن بعضهم أصبحوا زبائن دائمين لها. أرى في أم علي نموذجاً للمرأة العراقية المكافحة التي لم تنتظر الفرج بل صنعته بنفسها. كثيراً ما أوصيتها على سبحة بمواصفات خاصة وكانت تلبي الطلب بدقة وسرعة رغم انشغالاتها العائلية. أم علي اليوم أصبحت معروفة في السوق ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يتحدث التجار عن جودة سبحاتها وإبداعها”
صوت تمكين المرأة من قلب النجف
هبة علاء ناشطة اجتماعية تقول “بحكم عملي في دعم النساء العاملات بالنجف تعرفت على أم علي منذ عامين. بداية لم تكن واثقة من نفسها أمام الناس بل كانت تخاف من نظرات المجتمع وحديث الجيران. لكني رأيت فيها قوة خامدة تبحث عمّن يشجعها. دعمتها للمشاركة في معارض الصناعات اليدوية المحلية ووفرت لها دورات في التسويق الإلكتروني والتغليف الحديث.
خلال فترة قصيرة لاحظت التحول الكبير في شخصيتها. بدأت أم علي تتحدث بثقة عن عملها وتشرح للزوار أسرار صناعة السبح وطرق اختيار الخرز. أصبحت قصتها مصدر إلهام لنساء كثيرات في النجف وخصوصاً من فقدن معيل الأسرة أو واجهن تحديات مشابهة. اليوم أم علي ليست مجرد صانعة سبحات؛ بل رمز لتمكين النساء في مجتمعنا، ودليل على أن العمل اليدوي يمكن أن يكون باب رزق وكرامة، وأن الإصرار يصنع المعجزات حتى في أصعب الظروف”
سبحة أم علي… حكاية تنسجها الأمل
وهكذا تبقى حكاية أم علي نافذة مفتوحة على أمل لا ينطفئ ودليلاً على أن الإصرار يمكن أن يصنع من أبسط الأدوات مجداً عظيماً. لم تستسلم أم علي أمام تحديات الحياة ولا أمام نظرات المجتمع القاسية بل نسجت من الخرز خيوط مستقبل جديد لأبنائها وزرعت في نفوسهم قوة الاعتماد على النفس والثقة بالقدرات.لم تعد أم علي مجرد صانعة سبحات بل أصبحت رمزاً لكل امرأة عراقية تريد أن تنهض من رماد القسوة وتبني بيديها عالماً أفضل.
بيت أم علي ما زال ينبض بالحياة وجدرانه تردد حكايات النجاح والعزيمة. عيون أطفالها تلمع بالفخر، وزوجها يشاركها الفرح في كل سبحة جديدة تخرج من بين أناملها. أما هي فتنظر إلى الخرز المتناثر أمامها وتبتسم بثقة تعرف أن كل حبة تحمل حكاية وكل سبحة شهادة على أن المرأة قادرة على أن تكتب تاريخها بنفسهامهما كان الطريق صعباً.