جفاف الأنهار يرسم ملامح المعاناة على وجه الريف العراقي

جفاف الأنهار يرسم ملامح المعاناة على وجه الريف العراقي

خطوة / النجف

في صباحات النجف الباكرة، قبل أن تستيقظ الحياة في المدينة، تظهر “أم فاضل” على عتبة السوق تحمل أطباق القيمر فوق رأسها، يتبعها ظل طويل من الحكاية والصبر. تبلغ من العمر أكثر من خمسين عامًا، أرملة منذ سنين، أم لخمسة: ثلاث أولاد (أكبرهم متوفى وله أطفال صغار) وابنتان، ومسؤولة عن بيت بسيط يكاد يخلو من أبسط مقومات الراحة، لكن قلبها عامر بالأمل رغم كل الظروف.

الفجر والجاموس… بداية الحكاية من ريف النجف

تسكن أم فاضل في إحدى القرى الصغيرة المحيطة بالنجف هناك حيث الحياة تستيقظ على أصوات  الجاموس، وحليب الفجر هو الثروة الحقيقية تصف صباحها قائلة“أستيقظ قبل الآذان بساعتين، أحلب الجاموس وأغلي الحليب وأصنع القيمر بنفس يدي. منذ وفاة زوجي، صار الجاموس هو رزقي الوحيد”تعرفها نساء القرية بـ”أم القيمر”، إذ تحمل على عاتقها مسؤولية بيت بأكمله، وتستمر في العمل رغم تعب الجسد وقسوة الزمان.

جفاف الأنهار… ضربة قاسية لحياة الماشية

امتدت يد الجفاف إلى أنهار نواحي النجف، فحلت الكارثة على مواشي الريف، وخاصة الجاموس الذي يحتاج إلى المياه الوفيرة. تشير أم فاضل بمرارة“منذ سنتين، جفت الأنهر. الجاموس صار هزيلًا، إنتاج الحليب قلّ كثيرًا. كنت أبيع عشرين صينية قيمر في اليوم، الآن بالكاد أجهز خمس.”حالة الجفاف لم تؤثر على أم فاضل وحدها، بل شملت كل أهل الريف الذين يعتمدون على تربية المواشي. الأمر دفعها لرفع سعر القيمر مجبرة، وهو قرار لم يكن سهلًا عليها ولا على زبائنها.

القيمر… طعم النجف وروح الريف

في سوق النجف، أصبحت أم فاضل وجهًا مألوفًا، يعرفها أصحاب المحلات وزبائن القيمر الطازج. يقبل عليها الناس رغم ارتفاع الأسعار، وكثير منهم يتفهمون الظروف. يقول أحد التجار في السوق، أبو حسين“قيمر أم فاضل غير شكل، نكهته أصلية. الكل يعرف تعبها وظروفها. حتى مع زيادة السعر، نشتري منها لأننا نعرف أنها تربي عائلة كاملة بهذا العمل.”لم تكن الزيادة في السعر خيارًا ترفيهيًا، بل كانت ضرورة من أجل البقاء، لتستطيع شراء العلف الغالي والماء الناقص لجاموسها.

أبناء وأحفاد أيتام… وبيت بلا باب

 أم فاضل ببساطة تفاصيل بيتها تقول بيت بسيط من الطين، لا باب له، لا ماء جاري، ولا كهرباء منتظمة. أولادي صغار، أحفادي أيتام. ما عندنا سوى الجاموس وأطباق القيمر.”تروي كيف تُقسّم الأرباح الزهيدة بين حاجيات الأسرة، وتجهيز الحليب، وشراء الأعلاف والماء للمواشي، ودفع أجرة النقل إلى المدينة. رغم ذلك، لا تفكر يومًا في ترك هذه المهنة، فالحياة علمتها أن الكفاف نعمة، وأن العمل شرف.“لو جفت الأنهار كلها، سأبقى أحلب جاموسي حتى آخر قطرة. القيمر هو رزقي ورزق أيتام ابني.”

 

حين يبكي الجاموس، تبكي معنا الأرض

ابنتها الكبرى (فاطمة)أمي هي الأب والأم لنا تعلمنا منها الصبر وحتى أخوتي الصغار يساعدونها في كل شيء.”أكتب بوجع القلب لا بلسان فقط، بل بدموع كل صباح نعيشه في بيتنا الطيني الصغير بأطراف النجف. منذ رحيل أبي وأخي الأكبر، صارت أمي لنا كل شيءهي الأم والأب والسند، وهي التي تصحو قبل الفجر لتسابق الظلام وتحلب الجاموس بيدين أنهكهما العمل والحزن.نعيش اليوم في ريف جفّت أنهاره. أذكر جيداً أيام الطفولة القديمة، حين كانت جداول الماء تروي الأرض، وحليب الجاموس كان يكفينا ويزيد لنبيعه. أما الآن، فصار كل شيء شحيحاً: الماء، الحليب، حتى الأمل أحياناً. جفت الأنهار فرأيت الجاموس يهزل، وأمي تبكي بصمت كلما نقص الحليب واضطرت أن ترفع سعر القيمر. لم يكن القرار سهلاً عليها، فهي تعرف أحوال الناس مثلما تعرف تعبها، لكنها لم تعد تستطيع شراء العلف أو الماء إلا بثمن غالٍ.طفولة إخوتي الصغار وأولاد أخي الراحل كلها أمانة في رقبتها. أستغرب من صبر أمي؛ تقسّم القليل بيننا لنأكل ونلبس ونتعلم، وتحرص أن يبقى بيتنا بلا باب مفتوحاً للحياة قدر استطاعتها. أساعدها ما استطعت، وحتى إخوتي يساعدون في الاهتمام بالجاموس ونقل القيمر إلى السوق.كلما رأيت أمي في سوق النجف، تحمل القيمر برأس مرفوع، أشعر بالفخر والحزن معاً. أمي ليست بائعة قيمر فقط، بل مثال للمرأة العراقية الأصيلة التي تصنع من الجفاف رزقاً، ومن الدمع ابتسامة. حلمها بسيط: أن تعود المياه للأنهار، وأن يحيا الجاموس من جديد، وأن نعيش حياة كريمة بلا خوف من غدٍ جاف.

الأسواق تشتاق لنكهة القيمر الأصيلة رغم ارتفاع الأسعار

أبو حسين يقول أعمل تاجرًا في سوق النجف منذ أكثر من عشرين عامًا. عاصرت كثيرًا من الباعة والمنتجات، لكن ما أشعر به تجاه القيمر الذي تصنعه أم فاضل يختلف عن أي منتج آخر. القيمر الذي تبيعه يحمل عبق الريف وأصالة النجف، ونكهته ليست كأي قيمر آخر، فهي تذكّرنا بأيام الخير حين كانت الأنهار تجري والمزارع خضراء، وحليب الجاموس وفير.في كل صباح، أراقب دخول أم فاضل إلى السوق، تحمل فوق رأسها أطباق القيمر وهي تمشي بخطى ثابتة، رغم التعب الواضح عليها. أعرف قصتها، وأعرف حجم المعاناة التي تعيشها منذ جفاف الأنهار. صارت تواجه صعوبة في توفير الماء والعلف لجاموسها، فقلّ إنتاج الحليب، واضطرت لرفع سعر القيمر — وهذا أمر لم يكن سهلًا عليها ولا علينا كباعة وزبائن.الكثير من الزبائن يعاتبونني أحيانًا على ارتفاع السعر، لكن أشرح لهم: المرأة التي تبيعنا القيمر ليست تاجرًا يبحث عن الربح، بل أم تكافح لإعالة يتامى وأسرة دون معيل غير الجاموس. أؤمن أن ما تدفعه اليوم لأم فاضل ليس فقط ثمن القيمر، بل هو دعم لصمود امرأة عراقية رمزية. حتى مع صعوبات السوق وتراجع القوة الشرائية، كثير من الزبائن يصرون على شراء قيمر أم فاضل تحديدًا، لأنهم يعرفون قصتها ويقدّرون جهدها.كل قطعة قيمر تصلنا، تحمل من الريف معاناة وتاريخًا وحبًا. أحزن كثيرًا حين أرى الأسواق تفتقد لنكهات القيمر الأصيلة، لأن جفاف الأنهار لا يهدد حياة الجاموس فحسب، بل يهدد ذاكرتنا الشعبية ونكهة تراثنا..

حين صار بقاء الجاموس معركة بقاء للأسرة والذاكرة

يقول أبو علي، من جيران أم فاضل منذ سنين طويلة. عشنا معًا أيام الرخاء وأيام الشدة، وكلما نظرت إلى حال القرية اليوم أشعر بمرارة عميقة. قبل سنوات قليلة فقط، كانت قريتنا تعج بالأبقار والجاموس، وكنا جميعًا نعتمد على تربية المواشي كمصدر رزق رئيسي لنا. كان صوت المياه في الجداول عنوان الخير، وكان حليب الجاموس يفيض في البيوت.لكن حين أصاب الجفاف أنهارنا، تبدّل الحال. رويدًا رويدًا بدأ الجيران يبيعون مواشيهم، لأن الماء شحّ والعلف صار غاليًا، ولم يعد أحد يستطيع تحمل مشقّة تربية الجاموس.

لم يكن جفاف الأنهار مجرد أزمة بيئية، بل كان امتحانًا عسيرًا للروح الريفية التي تعتمد على الماء والعشب والحياة البسيطة. ومع كل يوم تزداد فيه صعوبة الحصول على المياه والعلف، وترتفع فيه أسعار القيمر، يتضح حجم المعاناة التي تحملها نساء مثل أم فاضل، ليس فقط من أجل أبنائهن وإنما أيضًا من أجل الحفاظ على تراث قريتهن ونكهة القيمر التي باتت جزءًا من ذاكرة المدينة.

ورغم البساطة القاسية لحياة أم فاضل—بيت طيني بلا باب، أطفال صغار وأحفاد أيتام، جاموسة هزيلة تجاهد للبقاء—إلا أن الأمل ما زال حيًا في عينيها. هي تعرف أن الصبر هو قوت الفقراء، وأن الكفاح وحده يحفظ كرامة العيش.

إن معركة أم فاضل ومعها ريف النجف كلها، ليست معركة بقاء فقط، بل معركة من أجل الحفاظ على هوية عراقية عميقة الجذور. هي دعوة لأن لا يظل صدى جفاف الأنهر بلا استجابة، وأن تتضافر الجهود لإعادة الحياة إلى أرض كانت يومًا رمزًا للعطاء والخصب.وفي انتظار شربة ماء تعيد الروح للجاموس والأرض،.

 

 

رئيس التحرير