في شارع هادئ قرب مركز مدينة النجف، تفتح نهى أبواب مشروعها الصغير كل صباح، لا لتبيع بضاعة عابرة بل لتمنح النساء فرصة جديدة في الحياة نهىخريجة كلية التربية، لم تجد تعيينًا وظيفيًا بعد التخرج واضطرت بعد وفاة زوجها لأن تتحمّل مسؤولية إعالة أسرتها، فحوّلت حبّها للقيادة ومهارتها إلى مركز للسياقة مخصصة للنساء. الفكرة بدأت بسيارة قديمة ومقاعد معدّلة وبطاقة صبر لا تنخفض؛ لكنها سرعان ما تحوّلت إلى عنوان أمل لنساء نجفيات، من ربات بيوت يبحثن عن حرية التنقّل إلى شابات تريد إثبات ذاتها في سوق العمل.
تتداخل في صباحات نهى صور عديدةأمّ تمنح ابنتها الدفء قبل أن تذهب لتعلّم الوقوف بثقة عند الإشارة، شابة ترتجف يداها على المقود لأول مرة، ومعلمة تعود لقيادة السيارة بعد سنوات من التوقف. تقول نهى بصوت هادئ: “ليس كل ما أعلّمه تحكّمًا في دواسات وفرامل. أعلّمهن الثقة بأنفسهن وبأنهن يستحقّن أن يتحكّمن في مسارات حياتهن”. الإقبال على الدورات نما رغم الصعوبات تكاليف صيانة السيارة، تأمين مساحة آمنة للتدريب، ومخاوف أسرية تقليدية. لكن كل رخصة تُمنح، وكل امرأة تقود بمفردها إلى سوق العمل أو إلى المستشفى أو المدرسة، تصبح شهادة على فائدة المشروع. في مجتمع يتقاطع فيه التقليد مع الحاجة الاقتصادية، تقف نهى نموذجًا عمليًا على أن المبادرة الفردية قادرة على فتح نوافذ تغيير ملموسة، وأن التمكين يبدأ بخطوة صغيرة خلف مقعد السائق
من قلق إلى شراكة النجاح
فاطمة، ابنة المدربة نهى تقول كنت قلقة جداً عندما قررت أمي أن تفتح مركز لتعليم القيادة بعد وفاة أبي وبعد فشلها في الحصول على تعيين. خشيت أن يرهقها العمل وأن تتحمل وحدها عبء المسافات وصيانة السيارة وتكاليف المعيشة، لكني رأيتها تتحول إلى مصدر قوة ونحن نرى أثر مشروعها يومياً. الدخل الذي يأتي من تسجيل المتدربات ساعد في تسديد الفواتير المتراكمة، وأتاح لي فرصة البحث عن عمل جزئي لأنني صرت أملك بعض الوقت والمسؤولية التي توفرت بفضل مساعدة أمي. كما أن احترام الجيران وتقديرهم تضاعف، لأنهم شاهدوا امرأة تكفّل بعائلتها بكرامة. مشروع أمي لم يمنحنا نقوداً فقط، بل أعاد لنا جزءاً من الاحترام الذاتي والاستقلال. أحلم أن توسع مركزها وتوظف فتيات أخريات كسائقات أجرٍ أو توصيل، لأن السوق بحاجة لذلك. أدعو المنظمات المحلية لدعم مثل هذه المبادرات الصغيرة بقروض ميسّرة أو منح تدريبية لتتحول من عمل منزلي إلى مشروع مستدام يضمن أمان عمل ودخل ثابت للعائلات
إقبال متزايد رغم الصعوبات
افتتحت نهى مشروعها بسيارة قديمة ومقاعد بلاستر خفيفة لتدريب المبتدئات. لم تمضِ أسابيع حتى بدأت النساء النجفيات يتدفقن إلى بابها — ربات بيوت، معلمات سابقات، طالبات شابات، وأمهات تعملن برسومات يومية — كلهن يبحثن عن قدرة على التنقل بالكرامة أو عن فرصة عمل تتطلب رخصة قيادة. تقول زينب، إحدى طالباتها: “جئت لأتعلم لأن عملي الجديد يتطلب سفراً بين القرى، ولم أكن لأستطيع قبله. نهى علمتني أكثر من ضبط السيارة؛ علمتني الثقة.”لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورد. تواجه نهى صعوبات مالية صيانة السيارة، وقود، إيجار مكان بسيط، وأجور لمساعدين مؤقتين. كما تكافح مقاومة اجتماعية من بعض العائلات التي ما تزال تعتبر قيادة المرأة شأنًا غير مألوف. تقول نهى: “أحيانًا أحتاج إلى إذن شفهية من ولي الأمر. أتعامل مع الموقف بحسّ منطق؛ أطمئن الأهالي إلى أن تعليم القيادة أمن واحترام، وأن الهدف هو إعالة الأسرة.”
قيادة بلا تردد
زينب الخضر تقول أنا أم لثلاثة أطفال وربّة بيت. لم أفكر يوماً أن أكون سائقة، كان الخوف والتردد معي الشوارع والازدحام، ونظرات الناس. عندما سمعت عن دورة نهى ترددت، لكنني قررت المحاولة لأن حجوزات الأجرة صارت باهظة وأطفالي يحتاجون للنقل صباحاً. نهى لم تبدُ مجرد مدرّبة؛ كانت مرشدة وصديقة، تصحح أخطائي بصبر وتعلمني كيف أقرأ الشارع. أول مرة ضغطت فيها على دواسة البنزين كان قلبي يرقص، لكن بعد أسابيع قليلة تعلمت المناورات البسيطة والوقوف الآمن وقراءة الإشارات. ما تغيّر ليس مجرد مهارة تقنية، بل شعور بالاستقلالية: لم أعد أتكل على أحد لشراء حاجيات البيت أو لتوصيل الأولاد للمدرسة. هذا التغير أثر أيضاً على نظرة أهلي؛ لم يعد الأمر محصوراً في كون المرأة في البيت فقط، بل أصبحت جزءاً فاعلاً قادراً على تلبية احتياجات الأسرة. أقول لكل امرأة مترددة: تعلّمي، ليس فقط من أجل السيارة، بل من أجل ثقتك بنفسك وراحة يومك
أثر اقتصادي واجتماعي
المشروع لم يوفّر دخلًا فحسب، بل خلّف أثرًا اجتماعيًا ملموسًا. على مستوى الأسرة، تقول.
.”مها تعمل في منظمة مجتمع مدني تهتم بتمكين المرأة اقتصاديًا واجتماعيًا. ما تفعله نهى مثال حي على كيف يمكن للمبادرات المحلية أن تترجم احتياجات المجتمع إلى حلول عملية. القيادة ليست ترفاً؛ إنها وسيلة تمكّن المرأة من الوصول إلى العمل، التعليم، والخدمات الصحية. من تجربتنا، الدعم المادي البسيط نرسم برامج توعية لأولياء الأمور لطمأنتهم حول السلامة ومنافع عمل النساء. التحديات ثقافية وإجرائية، لكن الأدلة على الأرض تُظهر أن الاستثمار في تدريب السائقات يحقق عوائد اجتماعية واقتصادية ملموسة: دخول إضافي للأسر، خفض تكاليف النقل، وتمكين النساء من خيارات استدامة مهنية. ندعو الجهات المانحة والبلديات لتبني برامج تمويل صغيرة وخطط لتهيئة مساحات تدريب آمنة تساهم في توسيع أثر هذه المبادرات
العقبات والتطلعات
من بين التحديات البارزة التي تواجه نهى وصغيرات مثلها: ضرورة اعتماد خارطة تدريب رسمية من المرور، تسهيل إجراءات استخراج الرخص، وتوفير سيارات تدريب مناسب ومساحات آمنة للمناورات. كما أن التمويل يظل حاجزًا، إذ تمنع القيود المعيشية الكثير من النساء من التحاق بدورات تُكلِّفهن مبالغ لهن بالغة الحساسية.على الرغم من ذلك، تواصل نهى دروسها اليومية، وتخطط لتوسيع مشروعها تدريجيًا بفضل دعم المجتمع المحلي وبعض الطلبات من نساء يرغبن بتحويل التدريب إلى توظيف كسائقات أجرٍ في المدينة أو كسائقات توصيل. تقول نهى: “أحلم أن يكون عندي فروع صغيرة في أحياء أخرى، وأن تتحول مركز القيادة النسائية إلى مشروع يوظف نساءنا ويفتح لهن أبواب الكرامة
.”
التغيير يبدأ بخطوة عملية وعزيمة فردية. لم تمنح تعليم القيادة المتدرّبات مهارة فحسب، بل منحتهنّ استقلاليةً في التنقل وإمكانيةً للدخول إلى سوق العمل والمشاركة المجتمعية. رغم العراقيل المالية والثقافية، أثبت المشروع أن المبادرات المحلية قادرة على خلق فرص اقتصادية وتحريك زخم اجتماعي صغير لكنه مؤثر كل امرأة تقود اليوم تمثّل بارقة أمل تُذكّرنا بأن التمكين يولد من العمل اليومي والجرأة على المبادرة. إن استثمار المجتمع والمؤسسات سيحوّل مشاريعٍ مثلها إلى منصاتٍ توظيفية وتطويرٍ مستدامٍ للأسر، ويضمن كرامةً وفرصًا حقيقية للنساء.