صمود عاملة نجفية في معمل الطابوق

صمود عاملة نجفية في معمل الطابوق

خطوة / النجف 

في أعماق معامل النجف، حيث تلتقي صلابة الطابوق بصلابة الأقدار، تبدأ حكاية سناء، امرأة في الخامسة والثلاثين، اختارت أن تكون من بين القلة اللواتي تحدين الصورة النمطية للمرأة في مجتمعهن. الحياة لم تمنح سناء الكثير من الخيارات؛ الانفصال عن زوجها ألقى على عاتقها أعباء إعالة أطفال صغار في بيئة لا ترحم المرأة العاملة، خاصة حين يكون العمل في معمل الطابوق، رمز القسوة والمشقة اليدوية. كل صباح، تودع سناء أبناءها على أمل العودة إليهم بقوت يومهم، وتحمل جسدها وإرادتها إلى معمل البناء، حيث لا فرق بين امرأة ورجل حين تحكم الحاجة. بين أيديها ينازع الطابوق ثقله، وتنازع نظرات المجتمع ثقتها، لكنها تصر على أن تكون مصدر فخر لأبنائها، وأيقونة قوة لكل امرأة تبحث عن معنى الكرامة في لقمة عيش شريفة. في معمل الطابوق، يتغير مفهوم الضعف والقدرة؛ هنا تختبر سناء نفسها كل يوم، وتعيد رسم حدود الطموح برغم ضيق الفرص وصعوبة الظروف، لتكون قصتها مرآة لمعاناة آلاف النساء العراقيات اللواتي يخترن الكفاح عنوانًا لحياتهن.

الطريق إلى المعمل… قرار تحت ضغط الحاجة

 سناء وهي تمسح عرقها وسط ضوضاء المعمل تقول”لم أختَر هذا العمل عن رغبة، بل عن ضرورة. بعد الانفصال لم يكن هناك من يعيل أطفالي سواي. بحثت عن عمل محترم يناسب شهادتي، لكن الفرص شبه معدومة. عرضت إحدى جاراتي فكرة العمل في معمل الطابوق، ترددت كثيرًا في البداية… مجتمعنا لا يرحم المرأة العاملة، فكيف إن كانت ترفع الطابوق؟”بدأت سناء يومها الأول بخوف وخجل، لكنها سرعان ما تحولت إلى نموذج في قوة الاحتمال. تقول: “أطفالي هم قوتي، كلما شعرت بالتعب أنظر لعيونهم وأنسى كل ألم.”

زهراءابنة سناء الكبرى أمي هي بطلة حياتي، لم أشعر يومًا أنها ضعيفة رغم كل التعب الذي تعود به إلى البيت. عندما انفصل والدي عن أمي كنا صغارًا، ولم أفهم لماذا تغيرت حياتنا فجأة، لكنني رأيت أمي تخرج كل صباح للعمل لتوفر لنا الطعام واللباس والمدرسة. أمي تحرص على أن أذاكر دروسي قبل خروجها وتوصيني بإخوتي. أساعدها في تحضير الطعام مساءً وأعتني بصغاري كي تجد بعض الراحة. أحيانًا أرى الدموع في عينيها، لكنها تمسحها سريعًا وتقول لي: “يا بنتي، هذه دموع التعب مش دموع الحزن”.بالرغم من أن عملها شاق ويجلب لها التعب، إلا أنها لم تترك قط بيتنا بحاجة، بل حاولت دائمًا أن تغمرنا بالحنان والدعم. أحلم أن أكبر وأساعد أمي وأحقق لها جزءًا من أحلامها، وأن أرى إخوتي يدرسون ويتوظفون مثلما تتمنى. أمي علمتني أن المرأة قوية، وأن الكرامة في العمل الحلال، مهما كان صعبًا أو متعبًا. أفخر بها أمام زميلاتي وأتمنى أن أكون مثلها في قوة القلب والإرادة.

يوم في حياة سناء… بين الطابوق والمعاناة

يبدأ يوم سناء قبل بزوغ الشمس. توقظ أبناءها، تُعدّ لهم الإفطار البسيط وتوصي الكبيرة على إخوتها الأصغر، ثم تحمل حقيبتها وتسير إلى المعمل. هناك، في صفوف العمال، تبدو الوحيدة بين الرجال. تعمل لأكثر من عشر ساعات يوميًا، ترفع وتصفّ الطابوق، تتعرض لغبار كثيف وحرارة عالية صيفًا وبرد قارس شتاءً.

.”

أم مصطفى زميلة سناء في المعمل في اليوم الأول الذي رأيت فيه سناء تدخل معمل الطابوق كانت نظرات الاستغراب لا تفارق وجوه معظم العمال. لم يكن وجود امرأة بيننا مألوفًا، خاصة في عمل يتطلب قوة جسدية وصبرًا كبيرًا. لكن سرعان ما بدأت نظرتنا تتغير. سناء أثبتت للجميع أنها قادرة على تحمل ما لا يتحمله كثير من الرجال. من النادر أن تتأخر أو تتذمر مهما كان الحمل ثقيلًا أو الظروف صعبة. أحيانًا، عندما نلاحظ عليها الإرهاق، نحاول أن نساعدها في رفع الطابوق أو ترتيب الصفوف، لكنها تبتسم وتقول: “كلنا هنا نبحث عن رزقنا، وأنا لست أضعف منكم”.المرأة في مجتمعنا غالبًا ما تُحاصر بنظرات الشفقة أو الاستنكار إذا ما اختارت عملاً شاقًا، لكن سناء كسرت هذه الصورة. حوّلت نظرة العمال من شك إلى احترام، وما عادت مجرد زميلة، بل صارت مثالًا يُحتذى به. في كثير من الأوقات، أسمعها تتحدث مع نفسها عن أطفالها، عن أمنياتها لهم بحياة أفضل وتعليم جيد. العمل مع سناء زاد من قناعتي أن المرأة العراقية قادرة على الصبر والكفاح مهما كانت الظروف، وأن القوة ليست فقط في العضلات بل في الإرادة والإيمان بأن الرزق الحلال يستحق التضحية.

صالح التميمي مشرف المعمل يقول بصفتي مشرفًا على العمال في هذا المعمل منذ سنوات، رأيت الكثير من القصص، لكن سناء تظل حالة استثنائية. عندما التحقت بالعمل، كانت الأصوات تتعالى: “كيف ستتحمل امرأة هذا العمل؟” لكني فضّلت أن أترك الفرصة لها وتابعت أداءها عن قرب. منذ اليوم الأول لم أشهد منها أي تذمر أو ضعف، بل حرصها على الدقة والانضباط كان ملحوظًا. سناء تعامل كل قطعة طابوق كأنها تبني بها بيتًا لأطفالها، تحملها بإتقان، وتؤدي واجبها دون أن تتوقع معاملة خاصة.أكثر ما أعجبني فيها أنها تطالب بحقوقها مثل أي عامل آخر، ترفض أن تُعامل بالشفقة، وتُصر على الحصول على أجرها العادل. في الاجتماعات، تدافع عن حقوق العمال جميعًا، وتطالب بتحسين ظروف العمل للنساء إن وجدن. أتمنى حقًا أن يتغير المجتمع ويمنح المرأة العاملة احترامها، فالكثير من الرجال لم يصمدوا في هذا العمل مثلما فعلت سناء. أرى فيها روح المثابرة والتحدي وأعتقد أن قصتها يجب أن تُروى ليعرف الناس أن المرأة قادرة على صنع المعجزات لو أُعطيت فرصة عادلة.

مع غروب شمس كل يوم، تعود سناء إلى بيتها وعضلاتها متعبة لكن قلبها عامر بالرضا، تحيط أبناءها بالرعاية ودفء الانتصار على يوم جديد. لم تكن تجربة رفع الطابوق مجرد وظيفة عابرة في سجل حياتها، بل تحولت إلى امتحان يومي لإرادتها، وإلى درس في التضحية والصبر والصمود. فكل طابوقة ترفعها سناء، تُبنى بها قيم الصبر والكرامة في وجدان من يقرأ قصتها، وتمنح الأمل لمن يظن أن الفقر أو الظروف نهاية الحلم.

رئيس التحرير