شهيدُ المنبر والوعي: السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه (قدس الله أسرارهم)

شهيدُ المنبر والوعي: السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه (قدس الله أسرارهم)

رشا الجنابي / النجف الاشرف

في كل عام تتجدّد ذكرى استشهاد آية الله العظمى السيد محمد محمد صادق الصدر ونجليه الشهيدين مؤمل ومصطفى (قدس الله أسرارهم) لتوقظ في وجدان كثيرٍ من المؤمنين معنى الفقد الذي يتجاوز حدود الشخص إلى أثره في الناس ومعنى الثبات الذي لا يُقاس بطول العمر بل بعمق الموقف.

إنها ذكرى تُستحضر فيها سيرة عالمٍ ديني ارتبط اسمه بمرحلةٍ عراقية عسيرة كانت فيها الكلمة الصادقة مكلفة والحضور الديني في المجال العام محفوفاً بالمخاطر اصبح  الحديث عنه حديثاً عن مسؤولية العالم تجاه مجتمعه وعن شجاعةٍ أخلاقية تتقدم حين يتراجع كثيرون.

وُلد السيد محمد محمد صادق الصدر في مدينة الكاظمية المقدسة في 23 آذار 1943 ونشأ في أسرة آل الصدر العلمية العريقة وترعرع في أجواء العلم  وحفظ القرآن وواصل دراسته الحوزوية في النجف الأشرف.

 وقد عُرف عنه منذ وقت مبكر جدّيته  وسعة قراءته حتى لفت أنظار أساتذته وزملائه بسرعة بديهته وحرصه على ربط العلم بواقع الناس.

ارتدى الزي الديني وهو في سن صغير وتدرّج في دراسة النحو والمقدمات والسطوح ثم تخرج في الدورة الأولى من كلية الفقه عام 1964 قبل أن يواصل مساره العلمي في التدريس والبحث ويباشر تدريس البحث الخارج في مراحل لاحقة مقدماً دروساً فقهية وأصولية اتخذت من مساجد النجف الاشرف وفضاءاتها العلمية منطلقاً لتكوين طلابٍ وبناء وعيٍ ديني يتعامل مع الأسئلة المستجدة لا بوصفها تهديداً بل بوصفها امتحاناً لقدرة الفقه على الإرشاد والتقويم.

ولعلّ من أكثر ما استقر في ذاكرة محبيه ومتابعيه مبادرته إلى إحياء صلاة الجمعة وإمامته لها ثم الدعوة إلى توسيع حضورها في مدنٍ أخرى في زمنٍ كانت فيه الحياة العامة محكومةً بالرقابة والخوف وكانت المنابر تُضيَّق عليها وتُحاصر.

وقد تحولت تلك الخطوةفي نظر كثيرين إلى رسالةٍ مزدوجة رسالة تعبدٍ والتزام ورسالة وعيٍ اجتماعي تُذكّر الناس بقدرتهم على الاجتماع حول قيم الدين والكرامة والإصلاح.

وفي خطابه العام ظلّ يؤكد على مسؤولية المؤمن في نصرة الحق ورفض الظلم وعلى أن الدين ليس طقوساً معزولة عن آلام المجتمع بل مشروع هدايةٍ وعدالةٍ وتربية.

وفي خضم تلك الظروف المتوترة ومع اتساع تأثيره بين شرائح واسعة ولا سيما الشباب دخل السيد الشهيد في دائرة الاستهداف إلى أن وقعت جريمة اغتياله مع نجليه في يوم الجمعة الرابع من ذي القعدة 1419هـ الموافق 19 شباط 1999م في حادثٍ أليم هزّ الشارع العراقي وترك جرحاً مفتوحاً في الذاكرة.

ولم يكن وقع الخبر مجرد صدمة عابرة بل تحوّل إلى حالة غضبٍ شعبي واحتجاجاتٍ واسعة في مناطق متعددة قوبلت آنذاك بإجراءاتٍ أمنية قاسية ما رسّخ لدى كثيرين الإحساس بأن الاستشهاد لم يكن نهاية سيرةٍ فردية بل بداية فصلٍ جديد في الوعي العام عنوانه أن صوت الناس قد يُقمع زمناً لكنه لا يُمحى.

وفي هذه المناسبة يستذكر المؤمنون مواقف السيد الشهيد بوصفها درساً في أن العالم حين يصدق مع رسالته لا يكتفي بالتدريس والكتابة بل يتحمل تبعات حضوره بين الناس ويجعل من الدين طاقة إصلاحٍ وتماسكٍ اجتماعي لا ذريعة للتنازع.

وتُستعاد سيرته العطرة بما فيها من عطاءٍ علمي وتربوي ومواقف شجاعة لتكون باعثاً على شحذ الهمم في نشر القيم المحمدية الأصيلة الرحمة، والعدالة، وكرامة الإنسان، والدفاع عن المظلوم، وتحصين المجتمع بالوعي.

وهكذا تبقى ذكرى استشهاده واستشهاد نجليه (قدس الله أسرارهم) مساحةً للتأمل والمسؤولية أن نُحيي المعنى الذي عاشوا من أجلة صدق الكلمة ونقاء المقصدلا أن نكتفي بالحزن وأن نجعل من الذاكرة جسراً إلى إصلاح النفس والمجتمع لا مجرد سردٍ للألم.

 

رئيس التحرير