أرملة شابة حوّلت شاشة الهاتف إلى نافذة أمل
النجف / وكالة خطوة للانباء
في مدينة النجف، حيث تتشابك الحكايات بين الأزقة القديمة وصخب الحياة اليومية، تعيش سما ناجح، شابة لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، لكنها تحمل في قلبها عمرًا من التجارب والمسؤوليات. ملامحها الهادئة لا تكشف بسهولة عن حجم المعارك التي خاضتها، غير أن عينيها تخفيان قصة امرأة واجهت الحياة بقوة نادرة، بعد أن وجدت نفسها وحيدة أمام مسؤولية طفلين وأسرة تحتاج إلى من يسندها.
سما، وهي أم لطفلين، لم تكن تتوقع أن يتحول مسار حياتها بهذه السرعة. فقد كانت تعيش حياة بسيطة مع زوجها الذي رحل فجأة تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا ومسؤوليات أثقل من عمرها الصغير. في لحظة واحدة، تبدلت الأحلام الصغيرة إلى تحديات يومية، وأصبحت مطالبة بأن تكون الأم والأب والمعيل في آنٍ واحد.
تقول سما وهي تستعيد تلك الأيام بصوت متماسك يخفي الكثير من الألم:
“في البداية شعرت أن الدنيا أغلقت أبوابها بوجهي، كنت صغيرة وخائفة، وكل ما أفكر به هو كيف سأؤمن حياة كريمة لطفليّ.”
لكن ما ميّز سما أنها لم تسمح للحزن أن يهزمها طويلًا. كانت تدرك أن الاستسلام يعني خسارة أكبر، وأن طفلَيها يستحقان حياة أفضل، لذلك بدأت تبحث عن أي فرصة تساعدها على الوقوف من جديد. وبينما كانت تتصفح هاتفها ذات مساء، لفت انتباهها عالم التسويق الإلكتروني الذي بدأ ينتشر بشكل واسع بين النساء والشباب.
في البداية، كانت الفكرة تبدو بسيطة جدًا؛ عرض بعض المنتجات عبر مواقع التواصل الاجتماعي مقابل نسبة ربح محددة. لم تكن تملك رأس مال، ولا خبرة في التجارة، لكنها كانت تمتلك شيئًا أهم: الإرادة.
بدأت سما العمل من هاتفها الشخصي فقط. كانت تنشر صور المنتجات في مجموعات البيع والشراء، وتتواصل مع الزبائن حتى ساعات متأخرة من الليل، بينما ينام طفلاها إلى جانبها. في كل يوم كانت تتعلم شيئًا جديدًا؛ كيف ترد على الزبائن، كيف تقنع الناس بالشراء، وكيف تبني ثقة الآخرين بها.
لم يكن الطريق سهلًا. كثيرون لم يأخذوا عملها بجدية، وبعضهم كان يعتقد أن فتاة صغيرة وأرملة لن تستطيع الاستمرار طويلًا. لكنها كانت ترى في كل تعليق محبط دافعًا إضافيًا للنجاح.
تروي سما بابتسامة واثقة:
“أحيانًا كنت أبيع قطعة واحدة فقط طوال اليوم، لكنني كنت أعتبرها خطوة للأمام، ولم أسمح لنفسي أن أتراجع.”
شيئًا فشيئًا، بدأ اسمها ينتشر بين الزبائن في النجف وخارجها. كانت حريصة على الصدق في التعامل، والالتزام بالمواعيد، واحترام الزبائن مهما كانت طلباتهم بسيطة. هذا الأمر جعل الكثير من النساء يثقن بها ويعدن للشراء منها مرة بعد أخرى.
ومع مرور الوقت، تحولت صفحتها الصغيرة إلى مشروع حقيقي يدر عليها دخلًا ثابتًا. لم تعد تكتفي بمنتج واحد، بل بدأت تعرض الملابس والإكسسوارات ومستحضرات التجميل والاحتياجات المنزلية، حتى أصبحت معروفة كمندوبة تسويق إلكتروني ناجحة بين النساء في مدينتها.
ورغم ضغط العمل، لم تهمل سما دورها كأم. كانت تستيقظ باكرًا لتحضير احتياجات طفليها، ثم تبدأ يومها الطويل بين الرد على الرسائل وتنسيق الطلبات ومتابعة التوصيل. وفي المساء، تحاول أن تمنح طفليها وقتًا من الحنان والاهتمام، رغم التعب الذي يرافقها.
وتقول:
“أكثر شيء يمنحني القوة هو عندما أرى طفليّ بخير، أشعر أن كل التعب يهون.”
نجاح سما لم يكن ماديًا فقط، بل تحول إلى مصدر إلهام للنساء من حولها، خاصة الأرامل والشابات اللواتي يعتقدن أن الظروف الصعبة تعني نهاية الأحلام. فقد أثبتت أن المرأة قادرة على بناء حياتها من جديد مهما كانت الخسائر كبيرة.
بعض النساء بدأن بالتواصل معها للاستفادة من تجربتها، وكانت دائمًا تشجعهن على خوض التجربة وعدم انتظار الفرص المثالية.
تقول:
“النجاح لا يحتاج رأس مال كبير، أحيانًا يحتاج فقط إلى شجاعة البداية.”
ومع ازدياد عملها، أصبحت تفكر بتطوير مشروعها أكثر. تحلم اليوم بأن تمتلك متجرًا إلكترونيًا خاصًا بها، وأن توفر فرص عمل لنساء أخريات يحتجن إلى مصدر دخل يحفظ كرامتهن. فهي تؤمن أن المرأة حين تمتلك استقلالها المادي، تصبح أكثر قدرة على حماية نفسها وأسرتها.
ورغم كل ما حققته، ما زالت سما تحتفظ ببساطتها. لا تتحدث كثيرًا عن الصعوبات التي مرت بها، لكنها تؤمن أن الألم يمكن أن يتحول إلى طاقة تدفع الإنسان نحو النجاح بدلًا من أن تكسره.
في أحد أحياء النجف، تجلس سما خلف شاشة هاتفها الصغيرة، تتابع طلبات الزبائن وترد على الرسائل بسرعة وابتسامة، بينما يلعب طفلاها بالقرب منها. قد تبدو الصورة عادية للكثيرين، لكنها في الحقيقة تختصر حكاية امرأة انتصرت على الظروف، ورفضت أن تكون مجرد ضحية للحزن.
وفي زمن تتزايد فيه التحديات الاقتصادية والاجتماعية، تبرز تجربة سما كرسالة واضحة مفادها أن النجاح لا يرتبط بالعمر أو الظروف أو الإمكانيات الكبيرة، بل بالإصرار على الاستمرار مهما كانت الطريق صعبة.
فمن خلف شاشة هاتف بسيطة، استطاعت شابة عشرينية أن تعيل أسرتها، وتربي طفلَيها، وتصنع لنفسها مكانة بين الناس. وبين كل طلبية ترسلها وكل رسالة شكر تتلقاها من زبونة راضية، كانت سما تبني شيئًا أكبر من مشروع تجاري؛ كانت تبني حياة جديدة قائمة على الكرامة والكفاح والأمل.
وهكذا، تحولت الأرملة الشابة التي خافت يومًا من المستقبل، إلى امرأة قوية تعرف جيدًا أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم المال فقط، بل بالقدرة على الوقوف مجددًا بعد كل سقوط، ومواصلة الطريق بثبات رغم كل ما حدث.