معلمة تقاعدت من الوظيفة ولم تتقاعد من رسالتها
النجف/ خطوةللانباء
في أحد أحياء مدينة النجف الهادئة، تعيش هيفاء غالب، امرأة تبلغ من العمر خمسةً وستين عامًا، لكنها ما تزال تحمل روح المعلمة ذاتها التي دخلت الصف لأول مرة قبل عقود طويلة. ورغم خروجها إلى التقاعد رسميًا، فإنها لم تغادر عالم التعليم يومًا، لأنها ببساطة ترى أن التعليم ليس وظيفة تنتهي بورقة تقاعد، بل رسالة تبقى حيّة ما دام الإنسان قادرًا على العطاء.
حين تدخل بيتها، ستجد الرفوف ممتلئة بالكتب والدفاتر القديمة، وصورًا لطالبات تخرجن قبل سنوات طويلة وما زلن يزرنها حتى اليوم. في زاوية الغرفة مكتب خشبي بسيط، ما تزال تحتفظ فوقه بأقلام التصحيح ونظارات القراءة وكأنها تستعد لحصة جديدة في أي لحظة.
بدأت هيفاء غالب مسيرتها التعليمية في سبعينيات القرن الماضي في زمن كانت فيه مهنة التعليم تحمل هيبة خاصة داخل المجتمع. كانت شابة مليئة بالحماس، تؤمن أن بناء الإنسان يبدأ من داخل الصف الدراسي. التحقت بإحدى المدارس الابتدائية في النجف، وهناك بدأت رحلتها الطويلة مع الطالبات، رحلة لم تكن سهلة، لكنها كانت مليئة بالقصص الإنسانية والمواقف التي صنعت شخصيتها.
تقول هيفاء إن أصعب ما كانت تواجهه ليس شرح الدروس، بل محاولة فهم الظروف النفسية والاجتماعية للطالبات. كانت ترى أن المعلمة الناجحة ليست من تحفظ المناهج فقط، بل من تستطيع احتواء الأطفال ومنحهم الثقة والأمان.
وعلى مدى سنوات طويلة، عملت في مدارس متعددة، ودرّست أجيالًا كاملة كبرت وأصبحت طبيبات ومهندسات ومعلمات وأمهات. لكنها لم تكن تتعامل مع التعليم على أنه مجرد نقل معلومات، بل كانت تحاول دائمًا غرس الأخلاق والاحترام وحب الحياة داخل نفوس الطالبات.
ورغم سنوات الخدمة الطويلة، جاء يوم التقاعد الذي تخشاه كثير من المعلمات. يومها شعرت هيفاء بحزن عميق، ليس لأنها ستغادر المدرسة فقط، بل لأنها كانت تخشى أن تنتهي رسالتها التي عاشت لأجلها كل تلك السنوات.
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا.
فبعد تقاعدها، قررت هيفاء ألا تسمح للعمر أو القوانين بإبعادها عن التعليم. بدأت باستقبال الطالبات داخل منزلها لمساعدتهن في الدراسة، خصوصًا الأطفال الذين يعانون من ضعف القراءة أو صعوبة الفهم. كانت تقدم الدروس بأسلوب بسيط ومحبب، حتى تحوّل بيتها مع الوقت إلى مكان يشبه المدرسة الصغيرة.
ولأن خبرتها طويلة، أصبحت الكثير من العائلات تقصدها طلبًا للمساعدة والنصيحة. لم تكن تهتم بالمقابل المادي بقدر اهتمامها بأن ترى الأطفال يتطورون ويحبون الدراسة.
تقول إحدى جاراتها، أم زهراء
“الأستاذة هيفاء ليست معلمة عادية. هذه المرأة أعطت عمرها كله للتعليم. حتى بعد التقاعد ما زالت تستقبل الأطفال يوميًا وكأنها موظفة رسمية. كثير من الأطفال تغير مستواهم الدراسي بسببها، والأجمل أنها تعاملهم بحنان الأم.”
إحدى طالباتها السابقات وتُدعى سارة كريم، وهي اليوم طبيبة في الثلاثين من عمرها. تقول سارة:
“كنت طالبة خجولة جدًا وأخاف من القراءة أمام الطالبات، لكن الأستاذة هيفاء كانت دائمًا تشجعني. أتذكر أنها قالت لي يومًا: (الصوت الذي يخاف اليوم سيصبح قويًا غدًا). هذه الجملة بقيت معي حتى الآن. لولا دعمها ربما لما وصلت إلى ما أنا عليه اليوم.”
لم تكن هيفاء تدرك أن كلماتها الصغيرة ستترك كل هذا الأثر داخل نفوس طالباتها. لكنها كانت تؤمن أن المعلم الحقيقي يستطيع تغيير مستقبل إنسان كامل أحيانًا بكلمة طيبة أو موقف صادق.
الابن الأكبر، علي، الذي تحدث عن والدته بفخر واضح قائلاً:
“حتى داخل البيت كانت أمي معلمة. علمتنا النظام والالتزام والرحمة. بعد تقاعدها توقعنا أنها سترتاح، لكنها لم تستطع الابتعاد عن التعليم. كل يوم يأتي أطفال إلى بيتنا، وهي تستقبلهم بحب وكأنها تبدأ يومها الحقيقي معهم.”
ورغم تقدمها في العمر، ما تزال هيفاء تحرص على تطوير نفسها. تتابع المناهج الحديثة، وتحاول فهم أساليب التعليم الجديدة، وتستخدم أحيانًا الهاتف والإنترنت لمساعدة الطالبات في الوصول إلى المعلومات. كانت تقول دائمًا إن المعلم إذا توقف عن التعلم سيفقد قدرته على التأثير.
وخلال السنوات الأخيرة، لاحظت هيفاء وجود ضعف واضح في مهارات القراءة والكتابة لدى بعض الأطفال، لذلك ركزت جهدها على تعليم الأساسيات بطريقة مبسطة. كانت تخصص وقتًا إضافيًا للأطفال الذين يحتاجون دعمًا نفسيًا أو تربويًا، لأن خبرتها جعلتها قادرة على فهم الفروقات الفردية بين الطلبة.
الأمر اللافت في شخصية هيفاء أنها لم تتعامل مع التعليم يومًا بوصفه وسيلة للشهرة أو المال، بل كانت ترى فيه واجبًا أخلاقيًا وإنسانيًا. لهذا السبب، بقي اسمها حاضرًا في ذاكرة المئات من الطالبات اللواتي ما زلن يذكرنها بمحبة واحترام حتى بعد مرور سنوات طويلة.
وفي المناسبات، كثيرًا ما تتفاجأ بزيارة طالبات قديمات يحملن معها الذكريات والامتنان. بعضهن يصطحبن أطفالهن للتعرف عليها، وكأنهن يردن أن يقدمن الجيل الجديد إلى المرأة التي صنعت جزءًا من شخصياتهن.
تجلس هيفاء أحيانًا أمام صورها القديمة داخل المدرسة، وتتذكر الضحكات والطابور الصباحي وصوت الجرس وحركة الطالبات في الممرات. ورغم الحنين الكبير، فإنها تشعر بالرضا لأنها لم تتخلَّ عن رسالتها حتى بعد التقاعد.
وتقول بابتسامة هادئة:
“المعلم الحقيقي لا يتقاعد أبدًا، لأن أثره يبقى مستمرًا داخل الناس.”
هذه العبارة تختصر حكاية امرأة أفنت عمرها في خدمة التعليم، ثم قررت أن تمنح ما تبقى من سنواتها للرسالة نفسها دون كلل أو انتظار مقابل.
اليوم، تُعد هيفاء غالب نموذجًا ملهمًا للكثير من المعلمين والمعلمات، لأنها أثبتت أن الشغف الحقيقي لا ينتهي بالعمر أو بالوظيفة. فبين جدران بيتها البسيط في النجف، ما تزال تواصل مهمتها اليومية في صناعة الأمل داخل عيون الأطفال، مؤمنة أن كل طفل يتعلم جيدًا هو خطوة جديدة نحو مجتمع أفضل.
وربما لهذا السبب تحديدًا، بقيت هيفاء معلمة في قلوب الجميع، حتى بعد أن كتبت كلمة “متقاعدة” في ملفات الدولة بسنوات طويلة.