بين شظايا الزجاج صنعت حياتها.. حكاية نجاح امرأة نجفية تحدّت الفقد بالفن والعمل

خطوة/ النجف

في أحد أحياء مدينة النجف القديمة، حيث تتعانق البيوت المتقاربة مع أصوات الباعة ورائحة الخبز الساخن، تجلس أم حسين أمام طاولة صغيرة امتلأت بقطع الزجاج والألوان وأدوات النقش الدقيقة. تحرك يديها بحذر شديد، بينما تنعكس على الزجاجة الشفافة رسومات نباتية وزخارف تراثية تروي حكاية صبر طويل. للوهلة الأولى تبدو امرأة عادية تعمل بحرفة يدوية، لكن خلف هذا المشهد تختبئ قصة كفاح استثنائية لامرأة لم تتجاوز الثامنة والعشرين من عمرها، وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الحياة بعد وفاة زوجها، مسؤولة عن تربية خمسة أطفال وتأمين مستقبلهم.

أم حسين، وهي أم شابة من النجف، لم تكن تتوقع أن يتحول شغفها البسيط بالفنون اليدوية إلى طوق نجاة ينقذ عائلتها من الحاجة. فقد كانت حياتها تسير بهدوء إلى جانب زوجها الذي كان يعمل بأجر يومي بسيط، قبل أن تتغير كل التفاصيل في لحظة قاسية بعد رحيله المفاجئ إثر أزمة صحية، تاركًا خلفه خمسة أطفال أكبرهم لم يتجاوز العاشرة.

تقول أم حسين وهي تنظر إلى إحدى القطع الزجاجية التي تنقشها بعناية:
“في الأيام الأولى بعد وفاة زوجي كنت أشعر أن الحياة توقفت، كنت أفكر فقط كيف سأطعم أطفالي وكيف سأوفر لهم أبسط احتياجاتهم.”

كانت المسؤولية أكبر من قدرتها النفسية والمادية، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وقلة فرص العمل للنساء. لكنها كانت تدرك أن الاستسلام لن يغير شيئًا، وأن أطفالها بحاجة إلى أم قوية تستطيع حماية الأسرة من الانهيار.

ومنذ طفولتها، كانت تحب الرسم والأشغال اليدوية، وكانت تقضي وقتًا طويلًا في تزيين الزجاجات القديمة أو رسم النقوش على المرايا الصغيرة داخل منزلها. لم تكن تعتبر الأمر أكثر من هواية تساعدها على الهروب من ضغوط الحياة، لكنها بدأت تفكر جديًا بتحويل هذه الموهبة إلى مصدر رزق.

جمعت ما تبقى لديها من مال بسيط، واشترت أدوات أولية للنقش على الزجاج. بدأت العمل داخل غرفة صغيرة في منزلها، مستخدمة طاولة قديمة وإضاءة بسيطة. كانت تجرب الرسم لساعات طويلة حتى تتقن الحرفة، وتتعلم من مقاطع الفيديو عبر الإنترنت طرق الحفر والتلوين الحديثة.

في البداية، واجهت صعوبات كثيرة. بعض القطع كانت تنكسر أثناء العمل، وأحيانًا كانت تقضي يومًا كاملًا في إنجاز قطعة واحدة لا تحصل منها إلا على ربح بسيط. كما أن كثيرين لم يكونوا يؤمنون بإمكانية نجاح امرأة شابة تعيل خمسة أطفال من خلال حرفة يدوية.

لكن أم حسين لم تسمح للإحباط أن يتسلل إليها. كانت تؤمن أن النجاح يبدأ بخطوة صغيرة، وأن التعب الذي تبذله اليوم سيمنح أبناءها مستقبلًا أفضل غدًا.

تقول:
“كنت أعمل بعد أن ينام أطفالي، أحيانًا أبقى حتى الفجر وأنا أنقش على الزجاج، لأنني كنت أشعر أن كل قطعة أنجزها تقربني أكثر من تحقيق الأمان لأولادي.”

بدأت تعرض أعمالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتنشر صور القطع التي تصنعها يدويًا، من مرايا مزخرفة وفازات زجاجية وأكواب تحمل نقوشًا عربية وإسلامية مميزة. ومع الوقت، لفتت أعمالها انتباه النساء في النجف ومدن أخرى، خاصة أن تصاميمها كانت تحمل طابعًا تراثيًا يعكس هوية المدينة وروحها.

أول طلبية كبيرة حصلت عليها كانت نقطة التحول في حياتها. تتذكر ذلك اليوم بابتسامة امتنان:
“عندما استلمت أول مبلغ جيد من عملي، شعرت للمرة الأولى أنني قادرة على الوقوف وحدي.”

شيئًا فشيئًا، توسعت دائرة الزبائن، وأصبح اسمها معروفًا بين محبي الأعمال اليدوية. لم تعد تعمل فقط لتأمين الطعام والاحتياجات الأساسية، بل بدأت تطور أدواتها وتتعلم تقنيات جديدة في النقش والرسم على الزجاج.

ورغم ضغط العمل، لم تهمل دورها كأم. كانت تحاول أن تمنح أطفالها الاهتمام والحنان، وتحرص على متابعة دراستهم رغم التعب والمسؤوليات الكثيرة. تقول إن أكثر ما يمنحها القوة هو رؤية أطفالها يفتخرون بها.

وتضيف:
“أطفالي هم سبب استمراري، كل مرة أشعر بالتعب أتذكر أنني أعمل من أجلهم.”

قصة أم حسين لم تبقَ داخل حدود منزلها الصغير، بل أصبحت مصدر إلهام للعديد من النساء، خاصة الأرامل اللواتي فقدن الأمل بالحياة بعد فقدان أزواجهن. فقد أثبتت أن المرأة قادرة على تحويل موهبتها البسيطة إلى مشروع حقيقي يوفر لها الاستقلال والكرامة.

عدد من النساء بدأن بالتواصل معها لتعلم النقش على الزجاج، وكانت ترحب بهن دائمًا، لأنها تؤمن أن نجاح المرأة لا يكتمل إلا عندما تساعد نساء أخريات على النجاح.

وتقول:
“تعلمت أن الإنسان عندما يمر بالألم يصبح أقوى، والأجمل أن يحول ألمه إلى شيء جميل يفيد الآخرين.”

اليوم، تحلم أم حسين بأن تمتلك ورشة صغيرة خاصة بها، تضم نساء يعملن معها في صناعة التحف الزجاجية اليدوية. كما تأمل أن تشارك يومًا في معارض فنية داخل العراق وخارجه، لتقدم صورة مختلفة عن المرأة العراقية القادرة على الإبداع رغم كل الظروف.

ورغم كل ما مرت به من فقد ومسؤوليات ثقيلة، ما زالت تحتفظ بابتسامتها الهادئة وإيمانها الكبير بالحياة. تجلس كل يوم أمام قطع الزجاج الشفافة، تنقش عليها ورودًا وزخارف دقيقة، وكأنها تعيد تشكيل حياتها قطعةً قطعة.

في منزل بسيط بالنجف، صنعت أم حسين من الفن وسيلة للبقاء، ومن النقش على الزجاج رسالة صبر وأمل. لم تنتظر أحدًا لينقذها، بل قررت أن تكون هي المنقذة لعائلتها، وأن تحوّل الحزن الذي كاد يكسرها إلى قوة تدفعها نحو الأمام.

وبين بريق الزجاج المنقوش، تختبئ ملامح امرأة صنعت من وجعها حياة جديدة، ومن التعب إنجازًا يستحق أن يُروى.

رئيس التحرير