“قالوا إن مكان الفتاة بين الجدران”.. لكن زهراء صنعت طريقها نحو الضوء

خطوة/ النجف

ولدت زهراء جاسم عام 1997 في إحدى مناطق الربفية من النجف، وسط بيئة عشائرية محافظة اعتادت أن ترسم مستقبل الفتاة منذ طفولتها. كانت المدينة هادئة بطبيعتها، لكنها مثقلة بالكثير من القيود الاجتماعية التي تحاصر النساء وتحاصر أحلامهن قبل أن تولد. هناك، كبرت زهراء بين عائلة كبيرة تؤمن بالعادات والتقاليد أكثر من إيمانها بحق الفتاة في الاختيار.

كانت الابنة الكبرى بين إخوتها، وأكثرهم قربًا إلى والدها الذي كان يرى فيها شخصية مختلفة منذ طفولتها. كانت كثيرة الأسئلة، تحب القراءة، وتنجذب إلى كل ما يتعلق بالمعرفة والثقافة. إلا أن هذه الصفات لم تكن دائمًا مصدر إعجاب في محيطها، بل تحولت أحيانًا إلى سبب للانتقاد.

تتذكر زهراء طفولتها قائلة:
“كنت أسمع دائمًا أن البنت مهما تعلمت فمصيرها الزواج، وأن طموحها يجب أن يبقى محدودًا حتى لا تصبح متمردة. كانوا يريدون فتاة هادئة لا تناقش ولا تحلم كثيرًا.”

في سن مبكرة بدأت تدرك الفرق الكبير بين ما يُسمح للذكور وما يُفرض على الإناث. إخوتها الذكور يخرجون بحرية، يخططون لمستقبلهم كما يشاؤون، بينما كانت هي مطالبة بالالتزام الدائم والخوف من “كلام الناس”.

ورغم ذلك، لم تستسلم زهراء لهذا الواقع. كانت تجد في الكتب متنفسًا خاصًا بها، وتعتبر القراءة مساحة للهروب من القيود التي تحاصرها. كانت تقضي ساعات طويلة في قراءة الروايات والكتب الفكرية، حتى بدأت تكتب خواطرها الصغيرة سرًا في دفاتر تخفيها عن الجميع.

لكن الطريق لم يكن سهلًا. ففي كل مرة تحاول فيها التعبير عن رأيها، كانت تُواجه بعبارات تقلل من أحلامها.
تقول:
“إحدى قريباتي قالت لي يومًا: من الأفضل للبنت ألا تكون طموحة كثيرًا، لأن الطموح يجلب لها المشاكل. يومها شعرت أن المجتمع يخاف من المرأة القوية.”

بعد إنهائها الدراسة الإعدادية، أصرت زهراء على إكمال تعليمها الجامعي، رغم اعتراض بعض أفراد العائلة الذين كانوا يرون أن سفر الفتاة للدراسة أمر غير مناسب. لكنها تمسكت بحلمها، ووجدت دعمًا كبيرًا من والدها الذي آمن بقدراتها.

التحقت بكلية الإعلام في جامعة بغداد، وهناك بدأت مرحلة مختلفة من حياتها. كانت المرة الأولى التي تخرج فيها من حدود بيئتها الضيقة لتتعرف على أشخاص وأفكار وتجارب جديدة. شعرت أن العالم أوسع بكثير مما كانت تتخيل.

في بغداد، بدأت شخصية زهراء تتغير تدريجيًا. أصبحت أكثر ثقة بنفسها، وأكثر قدرة على التعبير عن أفكارها. شاركت في نشاطات طلابية وثقافية، وبدأت تكتب مقالات قصيرة عن قضايا المرأة والتعليم والتحديات الاجتماعية.

لكن حتى وهي تحقق خطوات مهمة، لم تتوقف الضغوط العائلية والمجتمعية. كانت تسمع باستمرار أن العمل الإعلامي لا يناسب النساء، وأن ظهور الفتاة في المجتمع قد يجلب الانتقادات لعائلتها.

تقول:
“كنت أعيش صراعًا بين ما أؤمن به وما يريده المجتمع مني. لكنني كنت مقتنعة أن المرأة ليست مخلوقة فقط لتعيش حياة مفروضة عليها.”

بعد تخرجها، واجهت زهراء مشكلة البطالة مثل آلاف الخريجين في العراق. أرسلت عشرات الطلبات للحصول على فرصة عمل، لكنها لم تجد وظيفة مستقرة. ومع مرور الوقت، بدأت تشعر بالإحباط، خاصة مع تزايد الضغوط التي تدفعها نحو الزواج وترك أحلامها المهنية.

إلا أن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما شاركت في إحدى الورش الخاصة بالتنمية المجتمعية وتمكين النساء. هناك، التقت بنساء من محافظات مختلفة يحملن قصصًا مشابهة لقصتها. لأول مرة شعرت أنها ليست وحدها في مواجهة هذه التحديات.

تصف تلك المرحلة بقولها:
“تلك الورش غيّرت طريقة تفكيري بالكامل. تعلمت أن الخوف هو أول قيد يجب أن نكسره، وأن المرأة قادرة على صناعة تأثير حقيقي مهما كانت الظروف.”

بعدها، بدأت تعمل مع فرق شبابية ومنظمات محلية تهتم بالتوعية الثقافية والتعليمية. وخلال نشاطاتها الميدانية، لاحظت أن كثيرًا من الفتيات في المناطق الشعبية لا يمتلكن أماكن آمنة للقراءة أو تطوير مهاراتهن، فقررت أن تبدأ مشروعًا صغيرًا يعالج هذه المشكلة.

أطلقت زهراء مبادرة  وهي عبارة عن مكتبات صغيرة ومساحات قراءة داخل المدارس والمراكز المجتمعية، تهدف إلى تشجيع الفتيات على القراءة والتعلم واكتشاف مواهبهن.

في البداية، قوبلت فكرتها بالاستهجان. بعضهم اعتبر المشروع مضيعة للوقت، وآخرون رأوا أن الفتيات لا يحتجن إلى هذه النشاطات. لكنها لم تتراجع.

بدأت بجهود فردية بسيطة، تجمع الكتب من المتبرعين، وتنسق مع المدارس، وتدير النشاطات بنفسها. شيئًا فشيئًا، بدأت المبادرة تكبر وتحظى باهتمام المجتمع المحلي، خاصة بعد أن لاحظ الأهالي تأثيرها الإيجابي على الطالبات.

وأصبحت مبادرتها مساحة تجمع الفتيات للقراءة والنقاش والتعبير عن أفكارهن بحرية، بعيدًا عن الخوف والقيود.

تقول زهراء:
“كنت أريد لكل فتاة أن تشعر أن صوتها مهم، وأن أحلامها تستحق المحاولة.”

ومع توسع نشاطها، بدأت تشارك في مؤتمرات وفعاليات ثقافية داخل العراق، وأصبحت تُعرف كواحدة من الشابات الناشطات في مجال تمكين المرأة والتعليم المجتمعي.

ورغم النجاح الذي حققته، لم تنسَ زهراء حجم المعاناة التي مرت بها. فهي تؤمن أن كل تجربة مؤلمة صنعت جزءًا من قوتها الحالية.

وتقول:
“لو لم أعش تلك الصعوبات، لما فهمت معنى أن تقاتل المرأة من أجل حق بسيط في أن تكون نفسها.”

لاحقًا، تزوجت من شاب دعم طموحها وآمن برسالتها، فكان شريكًا حقيقيًا في رحلتها. وتؤكد أن وجود شخص يؤمن بأحلام المرأة يمكن أن يغيّر الكثير في حياتها.

اليوم، تنظر زهراء إلى رحلتها الطويلة بفخر كبير. الفتاة التي قيل لها يومًا إن مكانها بين الجدران، استطاعت أن تخلق لنفسها مساحة واسعة من التأثير والعمل والنجاح.

أما رسالتها إلى النساء، فتختصرها بكلمات بسيطة لكنها عميقة:
“لا تسمحن لأحد أن يقنعكن أن أحلامكن أكبر منكن. الطريق قد يكون صعبًا، لكن كل خطوة نحو ذاتك الحقيقية تستحق المحاولة.”

رئيس التحرير