امرأة فتحت الطريق لنساء النجف نحو الثقة والاستقلال
النجف/ خطوة
في مدينة النجف، حيث تتشابك العادات الاجتماعية مع تفاصيل الحياة اليومية، لم يكن من السهل على امرأة أن تدخل مجالاً ظلّ لسنوات طويلة حكراً على الرجال. لكن إيمان، ذات الثلاثة والثلاثين عاماً، قررت أن تخوض طريقاً مختلفاً، طريقاً مليئاً بالتحديات والانتقادات والخوف أحياناً، لكنه قادها في النهاية إلى أن تصبح واحدة من أبرز مدربات السياقة للنساء في المدينة، وأن تتحول قصتها إلى نموذج ملهم لتمكين المرأة وإثبات قدرتها على النجاح مهما كانت الظروف.
ولدت إيمان في إحدى مناطق النجف الشعبية، وسط عائلة بسيطة تؤمن بالتعليم والعمل، لكنها في الوقت نفسه كانت محافظة كغيرها من العائلات الجنوبية. منذ طفولتها كانت تحب التعلّم وخوض التجارب الجديدة، وكانت تنظر بإعجاب إلى النساء اللواتي يمتلكن القدرة على الاعتماد على أنفسهن. إلا أن فكرة أن تصبح يوماً مدربة سياقة لم تكن تخطر ببالها، خصوصاً أن قيادة المرأة للسيارة كانت تواجه الكثير من النظرات السلبية والانتقادات الاجتماعية.
تزوجت إيمان في عمر مبكر نسبياً، وأنجبت طفلين، ثم بدأت تشعر مع مرور السنوات بأنها بحاجة إلى تحقيق ذاتها بعيداً عن إطار المسؤوليات المنزلية فقط. كانت تقول دائماً إن المرأة تحتاج إلى مساحة تثبت فيها شخصيتها وقدراتها، لا أن تبقى رهينة الخوف من كلام الناس أو القيود الاجتماعية.
بدأت الحكاية عندما اضطرت لتعلّم القيادة بنفسها بعد مرض والدتها، إذ كانت تحتاج إلى التنقل يومياً بين المستشفى والمنزل. يومها أدركت كم تعاني الكثير من النساء بسبب عدم قدرتهن على القيادة أو اعتمادهن الكامل على الآخرين. شعرت أن السيارة ليست مجرد وسيلة نقل، بل باب نحو الحرية والاعتماد على النفس.
تقول إيمان إن أولى خطواتها لم تكن سهلة إطلاقاً. عندما بدأت تقود السيارة في شوارع النجف واجهت تعليقات جارحة واستهزاء من بعض الأشخاص، حتى إن بعض الأقارب نصحوها بالتوقف “حتى لا تتعرض للكلام”. لكنها كانت ترى أن الخوف من المجتمع هو أكبر عائق يقف أمام النساء، لذلك قررت ألا تتراجع.
بعد سنوات من اكتساب الخبرة، خطرت لها فكرة تأسيس مشروع لتدريب النساء على السياقة. في البداية بدت الفكرة غريبة للكثيرين، خصوصاً أن أغلب النساء كن يشعرن بالخجل أو الخوف من التعلم مع مدربين رجال. رأت إيمان أن وجود امرأة مدربة يمكن أن يمنح المتدربات شعوراً بالأمان والثقة، ويشجع المزيد منهن على خوض التجربة.
بدأت بإمكانيات بسيطة جداً. سيارة صغيرة مستعملة، وهاتف تتلقى عبره الاتصالات، وصفحة على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر فيها إعلانات متواضعة عن دروس تعليم السياقة للنساء. لم تكن تتوقع أن يتحول الأمر خلال أشهر قليلة إلى مشروع ناجح يستقطب عشرات النساء من مختلف الأعمار.
واجهت إيمان تحديات كثيرة في بداية الطريق. فبعض الناس اعتبروا أن عمل المرأة في هذا المجال “غير مناسب”، وآخرون حاولوا التقليل من شأنها أو السخرية من فكرتها. لكنها كانت تردّ على الجميع بالعمل والنجاح. كانت تستيقظ منذ ساعات الصباح الأولى لتدريب النساء، ثم تعود إلى منزلها للاهتمام بأسرتها وأطفالها، لتبدأ بعدها بتنظيم مواعيد اليوم التالي.
أكثر ما أثر فيها، كما تقول، هو القصص الإنسانية التي صادفتها خلال عملها. فهناك نساء تجاوزن الأربعين والخمسين من العمر وجئن لتعلم القيادة لأول مرة، بعد سنوات طويلة من الاعتماد على الأب أو الزوج أو الابن. بعضهن كن يشعرن بالخوف الشديد عند الإمساك بالمقود، لكنهن بعد أسابيع يتحولن إلى نساء أكثر قوة وثقة بأنفسهن.
إحدى المتدربات كانت أرملة تعيل أطفالها، وكانت تحتاج إلى القيادة لتتمكن من العمل والتنقل بسهولة. وأخرى كانت طالبة جامعية تضطر يومياً إلى انتظار وسائل النقل لساعات طويلة. تقول إيمان إن رؤية الفرح في عيون النساء بعد تعلم القيادة كان أكبر دافع لها للاستمرار.
لم يقتصر دورها على تعليم القيادة فقط، بل تحولت بالنسبة لكثير من النساء إلى مصدر دعم نفسي وتشجيع. كانت دائماً تخبر المتدربات أن المرأة قادرة على النجاح في أي مجال إذا امتلكت الإرادة والثقة بالنفس. ولهذا أصبحت دروس السياقة بالنسبة لها مساحة لنشر ثقافة التمكين والاستقلال.
ومع مرور الوقت، بدأت نظرة المجتمع تتغير تدريجياً. فبعد أن كانت تواجه الانتقاد، أصبحت تحظى بالاحترام والتقدير، خاصة بعدما أثبتت نجاح مشروعها وأهميته. كثير من العائلات باتت تفضّل تسجيل بناتها لديها بسبب شعورهم بالاطمئنان لوجود مدربة امرأة تفهم احتياجات النساء وطبيعة المجتمع.
وتؤكد إيمان أن النجف تضم الكثير من النساء الموهوبات والطموحات، لكن بعضهن يحتجن فقط إلى فرصة أو كلمة تشجيع. وترى أن تمكين المرأة لا يعني التخلي عن العادات أو القيم، بل يعني منحها حقها في التعلم والعمل والمشاركة بالحياة بثقة واحترام.
اليوم، وبعد سنوات من العمل، تمكنت إيمان من توسيع مشروعها وشراء سيارة تدريب حديثة، كما أصبحت تمتلك قاعدة واسعة من المتدربات اللواتي يرشحنها لغيرهن. والأهم من ذلك أنها استطاعت أن تكسر صورة نمطية كانت تقيّد الكثير من النساء.
ورغم النجاح الذي حققته، ما تزال تؤمن أن الطريق أمام المرأة العراقية يحتاج إلى المزيد من الدعم والتغيير. فهي ترى أن التحديات لا تزال موجودة، سواء في نظرة بعض أفراد المجتمع أو في قلة الفرص المتاحة للنساء، لكنها تؤكد أن الإصرار والعمل قادران على تغيير الواقع بالتدريج.
تحلم إيمان مستقبلاً بإنشاء مركز متكامل لتعليم النساء القيادة في النجف، يضم مدربات محترفات وبرامج توعية حول السلامة المرورية والثقة بالنفس. كما تطمح إلى تنظيم مبادرات مجانية لتعليم الأرامل والنساء ذوات الدخل المحدود، إيماناً منها بأن الاستقلال يبدأ بخطوة صغيرة، وربما يكون مقود السيارة أحد أبوابه.
وفي مدينة اعتادت أن تحفظ قصص الصبر والكفاح، تبقى حكاية إيمان واحدة من القصص التي تثبت أن المرأة قادرة على صناعة التغيير مهما كانت التحديات. فمن خلف مقود سيارة بسيطة، استطاعت أن تفتح أبواباً واسعة أمام نساء كثيرات، وأن تمنحهن شيئاً أكبر من مهارة القيادة؛ منحتهن الثقة بأنفسهن، والإيمان بأن الطريق إلى النجاح يبدأ دائماً بالشجاعة.