من الألم إلى القيادة.. حكاية امرأة صنعت نجاحها وسط العواصف
النجف/ خطوة
في مدينة النجف، حيث تمتزج أصوات الأسواق الشعبية بحكايات العائلات المحافظة، ولدت هناء الأمير، امرأة أربعينية لم تكن تعلم أن حياتها ستتحول يومًا إلى رحلة طويلة من الصراع والصمود والانتصار. هناء، المتزوجة والأم لثلاثة أطفال، أصبحت اليوم واحدة من النساء المعروفات في مجال التنمية المجتمعية وتمكين المرأة، بعد سنوات من المعاناة التي كادت أن تسلب منها ثقتها بنفسها وحلمها بحياة كريمة.
نشأت هناء في عائلة محافظة تحكمها العادات الاجتماعية الصارمة، حيث كانت القرارات الكبرى تُتخذ من الرجال فقط، بينما يقتصر دور النساء على الطاعة والصمت. منذ طفولتها، أدركت أن هناك فرقًا واضحًا بين ما يُسمح للذكور وما يُفرض على الفتيات.
تقول هناء:
“كبرت وأنا أرى البنات في محيطي يخشين التعبير عن آرائهن، وكأن أحلام المرأة ليست مهمة. كنت أرفض هذا الأمر داخليًا، لكنني لم أكن أمتلك الجرأة الكافية للاعتراض.”
في سنوات المراهقة، بدأت التحديات الحقيقية تظهر في حياتها. كانت فتاة متفوقة في دراستها وتحلم بإكمال تعليمها الجامعي، إلا أن الظروف العائلية والضغوط الاجتماعية كانت تقف دائمًا في طريقها. تعرضت للكثير من التضييق بسبب أفكارها المختلفة، وكانت تسمع باستمرار أن “مكان المرأة بيتها فقط”.
لكن هناء لم تكن شخصية مستسلمة. كانت تؤمن في داخلها أن المرأة قادرة على أن تكون أكثر من مجرد تابع للآخرين، ولذلك حاولت أن تثبت نفسها من خلال التعليم والعمل الاجتماعي، رغم كل القيود المفروضة عليها.
تزوجت في سن مبكرة نسبيًا، وكانت تأمل أن تجد في الزواج مساحة من الاستقرار والدعم، إلا أن الحياة لم تكن سهلة كما توقعت. واجهت مسؤوليات كبيرة منذ السنوات الأولى، خاصة بعد إنجاب أطفالها الثلاثة، حيث أصبحت مطالبة بالموازنة بين رعاية أسرتها ومحاولة تحقيق ذاتها.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، اضطرت هناء للبحث عن مصدر دخل يساعد عائلتها. بدأت بخطوات بسيطة من داخل منزلها، إذ كانت تقدم دروسًا تعليمية للأطفال في الحي، ثم عملت لاحقًا في تنظيم الأنشطة المجتمعية الخاصة بالنساء والأطفال.
في تلك الفترة، اكتشفت جانبًا جديدًا من شخصيتها. فقد كانت تمتلك قدرة على التواصل والتأثير في النساء اللواتي يعانين من مشكلات اجتماعية مشابهة لما مرت به. كانت تستمع لقصصهن وتحاول مساعدتهن بالكلمة والنصيحة والدعم النفسي.
تقول:
“كنت أشعر أن معاناة النساء متشابهة، لكن كثيرات لا يجدن من يسمعهن. حينها أدركت أن رسالتي أكبر من مجرد وظيفة.”
هذا الإدراك دفعها إلى دخول مجال العمل المدني والتطوعي. بدأت بالمشاركة في ورش تدريبية تخص حقوق المرأة والتنمية البشرية، ثم تعاونت مع منظمات محلية تهتم بقضايا التعليم الأسري وتمكين النساء اقتصاديًا.
في البداية، لم يكن المجتمع يتقبل فكرة خروج امرأة متزوجة للعمل المجتمعي بسهولة، وتعرضت لانتقادات كثيرة من بعض المحيطين بها. لكن هناء أصرت على الاستمرار، وكانت ترى أن النجاح يحتاج إلى صبر طويل وقدرة على تحمل الأحكام القاسية.
ومع مرور الوقت، أصبحت وجهًا معروفًا في النشاطات المجتمعية داخل مدينتها. نظمت حملات توعية تخص تعليم الفتيات، ومكافحة العنف الأسري، وتشجيع النساء على العمل والاستقلال الاقتصادي. كما شاركت في مؤتمرات وورش داخل العراق وخارجه، ما منحها خبرة واسعة وثقة أكبر بنفسها.
ورغم نجاحها، لم تنسَ هناء أصعب المراحل التي مرت بها، خاصة تلك الأيام التي شعرت فيها بالعجز والخوف من المستقبل. كانت تؤمن أن التجارب القاسية ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية لاكتشاف قوة الإنسان الحقيقية.
وتضيف:
“كل مرة كنت أسقط فيها، كنت أتعلم شيئًا جديدًا. الألم جعلني أقوى وأكثر فهمًا لمعاناة الآخرين.”
ومع توسع نشاطها، أسست مبادرة تهدف إلى تدريب النساء على المشاريع الصغيرة والعمل الحر، خاصة الأرامل والمطلقات وربات البيوت اللواتي يحتجن إلى مصدر دخل. كانت تؤمن أن تمكين المرأة اقتصاديًا يمنحها القدرة على اتخاذ قراراتها وحماية كرامتها.
استطاعت هناء من خلال هذه المبادرة مساعدة عشرات النساء على بدء أعمال بسيطة من منازلهن، مثل الخياطة وصناعة الحلويات والتسويق الإلكتروني. وكانت تتابع نجاحاتهن بفخر كبير، معتبرة أن نجاح أي امرأة هو انتصار جماعي لكل النساء.
في منزلها المتواضع، كانت هناء تحاول دائمًا أن تكون مثالًا إيجابيًا لأطفالها الثلاثة. علمتهم أن الاحترام لا يرتبط بالجنس أو العمر، وأن الإنسان يُقاس بأخلاقه وعمله. وكانت تحرص على أن يروا فيها صورة المرأة القوية القادرة على تحقيق التوازن بين الأسرة والعمل.
ابنتها الكبرى تقول عنها:
“أمي علمتنا ألا نخاف من الحياة، وكانت دائمًا تقول إن الإنسان القوي هو الذي يحول مشاكله إلى دافع للنجاح.”
اليوم، وبعد سنوات من الكفاح، أصبحت هناء عبد الأمير واحدة من الشخصيات النسوية المؤثرة في محيطها الاجتماعي. حصلت على شهادات تقدير من مؤسسات محلية ومنظمات مدنية، وشاركت في إعداد برامج تهدف إلى دعم النساء والشباب.
لكنها رغم ذلك، ما زالت تعتبر نفسها في بداية الطريق، وتؤمن أن المجتمع يحتاج إلى جهود أكبر لتغيير النظرة التقليدية تجاه المرأة.
تقول:
“نجاح المرأة لا يعني أن تتخلى عن عائلتها، بل أن تحقق ذاتها إلى جانب مسؤولياتها. المرأة القوية قادرة على بناء بيت ناجح ومجتمع ناجح في الوقت نفسه.”
هناءفمن فتاة خائفة من مواجهة المجتمع، إلى امرأة تقود مبادرات وتمنح الأمل للنساء، استطاعت هناء أن تثبت أن النجاح لا يولد من الظروف المثالية، بل من الإصرار على النهوض بعد كل سقوط.
وفي كل مرة تقف فيها أمام مجموعة من النساء لتتحدث عن القوة والصبر، تتذكر جيدًا تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تخشى التعبير عن رأيها. اليوم فقط، تشعر أنها انتصرت أخيرًا، ليس على الظروف وحدها، بل على الخوف الذي حاول يومًا أن يمنعها من تحقيق حلمها.