طالبة جامعية حوّلت الورد إلى رسالة قوة 

 خطوة / النجف

في ساعات الصباح الأولى، وقبل أن تستيقظ مدينة النجف بالكامل على ضجيج يومها المعتاد، تقف أسماء عماد في محل صغير لبيع الزهور  أحد الشوارع القريبة من مركز المدينة. ترتب باقات الورد بعناية، تزيل الأوراق الذابلة، وتنسق الألوان بطريقة تجعل المارة يتوقفون للحظات أمام ذلك المشهد المليء بالحياة. لم تكن أسماء، ذات الاثنين والعشرين عاماً، ترى في بيع الورد مجرد وسيلة لكسب المال، بل كانت تعتبره بداية حلم أكبر أرادت من خلاله أن تثبت أن المرأة النجفية قادرة على تحويل التحديات إلى نجاح حقيقي.

أسماء، وهي طالبة جامعية تواصل دراستها في كلية الإدارة والاقتصاد، تعيش حياة مزدحمة بالتفاصيل. بين المحاضرات الجامعية والعمل اليومي ومساعدة عائلتها، تبدو أيامها طويلة ومتعبة، لكنها تصر على أن تعب الطريق أهون من الاستسلام للظروف. تقول بابتسامة هادئة: “تعلمت منذ الصغر أن الإنسان لا ينتظر الفرص بل يصنعها بنفسه، لذلك قررت أن أبدأ من شيء أحبه… الورد”.

ولدت أسماء في عائلة بسيطة الحال، وكان والدها يعمل موظفاً محدود الدخل، بينما تهتم والدتها بشؤون المنزل وتربية الأبناء. ومع ازدياد الأعباء الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة، شعرت أسماء بأنها مطالبة بالمساهمة في دعم عائلتها دون أن تتخلى عن حلمها الدراسي. في البداية فكرت بأعمال عديدة، لكن فكرة بيع الورد كانت الأقرب إلى قلبها، خاصة أنها كانت تمتلك موهبة تنسيق الباقات منذ سنوات الدراسة الإعدادية.

تتذكر أسماء بداياتها قائلة إن الخطوة الأولى كانت الأصعب دائماً. ففي مجتمع محافظ نسبياً، لم يكن من السهل على فتاة شابة أن تعمل في الشارع أو تدير مشروعاً صغيراً بنفسها. واجهت الكثير من التعليقات والنظرات التي حاولت إحباطها، وبعضها كان يراها غير قادرة على الاستمرار طويلاً. لكنها كانت تؤمن أن النجاح لا يأتي دون مواجهة المخاوف.

تقول: “في الأيام الأولى كنت أشعر بالتوتر كلما وقفت أمام الناس، لكنني كنت أقول لنفسي إنني لا أفعل شيئاً خاطئاً، بل أعمل بكرامة وأحاول بناء مستقبلي”.

بدأت أسماء مشروعها برأس مال بسيط جمعته من مدخراتها الشخصية، فاشترت كميات محدودة من الورود الطبيعية، وكانت تنسقها بنفسها داخل المنزل قبل أن تعرضها للبيع. ومع مرور الوقت بدأت تكتسب زبائن دائمين، خصوصاً بعد أن انتشرت صور أعمالها عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كثير من النساء والفتيات وجدن في قصتها نموذجاً مشجعاً، فيما أصبح بعض الزبائن يقصدونها خصيصاً دعماً لها وإعجاباً بإصرارها.

لم يكن النجاح سريعاً أو سهلاً. ففي بعض الأيام كانت تعود إلى منزلها دون أن تبيع سوى عدد قليل من الباقات، بينما كانت حرارة الصيف وبرودة الشتاء تضاعف من صعوبة العمل. كذلك واجهت تحديات تنظيم وقتها بين الدراسة والعمل، إذ كانت تضطر أحياناً إلى السهر لساعات متأخرة لإكمال واجباتها الجامعية بعد يوم طويل من الوقوف والعمل.

ورغم ذلك، لم تفكر أسماء بالتراجع. كانت تعتبر كل عقبة درساً جديداً يدفعها للتطور. تعلمت أساليب التسويق الإلكتروني، وبدأت تقدم تصاميم مبتكرة تناسب المناسبات المختلفة، من حفلات التخرج إلى أعياد الميلاد والمناسبات العائلية. كما حرصت على تطوير مهاراتها من خلال متابعة دورات تدريبية عبر الإنترنت حول تنسيق الزهور وإدارة المشاريع الصغيرة.

وتؤكد أسماء أن أكثر ما منحها القوة هو دعم والدتها التي كانت تؤمن بقدرتها على النجاح منذ البداية. تقول: “أمي كانت دائماً تقول لي إن المرأة القوية ليست التي تعيش بلا مشاكل، بل التي تستطيع تجاوزها دون أن تفقد نفسها”.

ومع مرور الوقت، تحوّل مشروع أسماء الصغير إلى قصة نجاح يتحدث عنها كثير من الشباب في النجف. فقد استطاعت أن توفر لنفسها دخلاً يساعدها على إكمال دراستها، كما أصبحت تخطط لافتتاح محل أكبر يضم ركناً خاصاً للهدايا والتغليف الحديث. والأهم من ذلك، أنها نجحت في تغيير نظرة البعض تجاه عمل المرأة الشابة، خاصة في المشاريع الصغيرة.

ترى أسماء أن التمكين الحقيقي للنساء لا يبدأ بالشعارات، بل بمنح المرأة الثقة والفرصة لتجربة قدراتها. وتقول إن الكثير من الفتيات يمتلكن أفكاراً ومواهب كبيرة، لكن الخوف من كلام المجتمع أو الفشل يمنعهن من اتخاذ الخطوة الأولى.

وتضيف: “كل امرأة لديها طاقة تستطيع أن تصنع بها فرقاً، حتى لو بدأت من مشروع صغير جداً. النجاح ليس مرتبطاً بحجم العمل بل بالإصرار والاستمرار”.

خلال السنوات الأخيرة، شهدت مدينة النجف نماذج عديدة لنساء دخلن مجالات العمل الحر والمشاريع الصغيرة، وأصبحن جزءاً من حركة اجتماعية واقتصادية تسعى إلى تعزيز دور المرأة في المجتمع. وتعتبر قصة أسماء واحدة من هذه النماذج التي تعكس قدرة النساء على التكيف مع الظروف الصعبة وصناعة فرص جديدة رغم محدودية الإمكانات.

ورغم انشغالها الكبير، لا تزال أسماء تحافظ على تفوقها الدراسي، إذ تؤمن أن التعليم يبقى الأساس الذي يمكن أن يفتح أمامها أبواباً أوسع مستقبلاً. وتحلم بعد التخرج بتأسيس مشروع نسوي متكامل يوفر فرص عمل للفتيات اللواتي يحتجن إلى مصدر دخل أو يرغبن بتطوير مهاراتهن في مجال تنسيق الزهور والأعمال اليدوية.

كما تطمح إلى إقامة ورش تدريب مجانية للفتيات الصغيرات، لتعليمهن كيفية إدارة المشاريع الصغيرة والتسويق عبر الإنترنت، انطلاقاً من تجربتها الشخصية التي بدأت بخطوات متواضعة لكنها كبرت مع الوقت والإصرار.

وفي كل صباح، عندما ترتب أسماء باقات الورد بعناية، تشعر أنها لا تبيع الزهور فقط، بل تزرع أملاً جديداً في حياة كثير من الفتيات اللواتي يشاهدنها وهي تعمل بثقة وسط مجتمع ما زال بعض أفراده يعتقد أن الطريق صعب أمام المرأة.

أما هي، فتؤمن أن الطريق قد يكون صعباً فعلاً، لكنه ليس مستحيلاً.

وتختم حديثها بكلمات تختصر رحلتها كلها: “أنا لم أكن أبحث عن الشهرة أو المال فقط، كنت أريد أن أثبت لنفسي أولاً أن الفتاة تستطيع أن تنجح مهما كانت الظروف، وأن الورد الذي نحمله بأيدينا يمكن أن يكون بداية لحياة أجمل”.

هكذا استطاعت أسماء عماد، الطالبة الجامعية وبائعة الورد القادمة من أزقة النجف، أن تحول مشروعاً صغيراً إلى رسالة ملهمة عن قوة المرأة، وعن القدرة على الوقوف من جديد مهما كانت التحديات. وبين عبق الورود وأحلام المستقبل، تواصل الشابة العشرينية   نجاحها بثبات، لتؤكد أن الإرادة قادرة دائماً على فتح أبواب الأمل.

رئيس التحرير