مدربة لياقة صنعت من حلمها مساحة أمل للنساء في النجف
خطوة/ النجف
في مدينة النجف، حيث تتشابك العادات الاجتماعية مع إيقاع الحياة اليومية السريع، برز اسم شهلاء كواحدة من النساء اللواتي استطعن تحويل شغفهن إلى رسالة حقيقية لدعم النساء وتمكينهن نفسيًا وجسديًا.
شهلاء، البالغة من العمر أربعين عامًا، لم تكن تتخيل يومًا أن تصبح مدربة لياقة بدنية تقف أمام عشرات النساء يوميًا، تمنحهن الطاقة والثقة، وتساعدهن على تجاوز مشكلات صحية ونفسية واجتماعية كانت تثقل حياتهن. لكنها اليوم أصبحت مثالًا لامرأة نجفية كسرت القيود التقليدية ونجحت في خلق مساحة آمنة للنساء الباحثات عن التغيير.
تبدأ شهلاء حديثها بابتسامة هادئة تخفي وراءها سنوات طويلة من التعب والتحديات، قائلة:
“لم تكن الطريق سهلة أبدًا، لكنني كنت مؤمنة أن المرأة عندما تستعيد ثقتها بنفسها تستطيع أن تغيّر حياتها بالكامل.”
نشأت شهلاء في عائلة بسيطة وسط النجف، وكانت منذ صغرها تميل إلى النشاط والحركة والاهتمام بالصحة، إلا أن البيئة الاجتماعية في ذلك الوقت لم تكن ترى الرياضة النسوية أمرًا ضروريًا، بل كانت تُعتبر أحيانًا رفاهية أو أمرًا ثانويًا لا ينسجم مع طبيعة المجتمع المحافظ.
ورغم ذلك، بقي حلمها يكبر بصمت.
تزوجت شهلاء في سن مبكرة، وانشغلت بواجبات الأسرة وتربية الأطفال، حتى ظنت لسنوات أن أحلامها الشخصية قد انتهت. ومع مرور الوقت بدأت تعاني من زيادة الوزن والإرهاق المستمر، الأمر الذي دفعها للبحث عن أسلوب حياة صحي. بدأت بممارسة التمارين الرياضية داخل منزلها بشكل بسيط، مستخدمة مقاطع تدريبية وطرقًا ذاتية للتعلم.
تقول:
“في البداية كنت أمارس الرياضة لأجل صحتي فقط، لكنني لاحظت أن حالتي النفسية تغيرت أيضًا. أصبحت أكثر هدوءًا وثقة وقدرة على مواجهة الضغوط.”
هذا التحول لم يمر مرور الكرام على النساء المحيطات بها. فقد بدأت قريباتها وجاراتها يسألنها عن سر التغيير الذي طرأ عليها، وكيف استطاعت خسارة الوزن واستعادة نشاطها. ومن هنا جاءت الفكرة الأولى.
بدأت شهلاء بتنظيم جلسات رياضية صغيرة داخل منزلها، كانت تستقبل فيها عددًا محدودًا من النساء الراغبات بتحسين صحتهن. لم تكن تملك معدات احترافية ولا مكانًا مخصصًا، لكنها امتلكت شيئًا أهم، وهو الإصرار.
في تلك المرحلة واجهت تحديات كثيرة، بعضها مادي وبعضها اجتماعي.
فكرة أن تعمل امرأة كمدربة لياقة بدنية للنساء لم تكن مألوفة بالنسبة للكثيرين، وكانت تتعرض أحيانًا للانتقاد أو التقليل من أهمية عملها.
تتذكر تلك الفترة قائلة:
“سمعت كلامًا محبطًا كثيرًا، البعض كان يقول إن الرياضة ليست مهنة حقيقية للمرأة، وآخرون اعتبروا المشروع مجرد فكرة مؤقتة ستفشل سريعًا، لكنني كنت أؤمن بما أفعله.”
ولأنها أرادت تطوير نفسها بشكل مهني، التحقت بعدة دورات تدريبية عبر الإنترنت، وقرأت كثيرًا عن التغذية والتمارين الرياضية والصحة النفسية. كانت تقضي ساعات طويلة في التعلم حتى تتمكن من تقديم تدريب صحيح وآمن للنساء.
بعد سنوات من العمل المتواصل، استطاعت شهلاء افتتاح قاعة رياضية نسوية صغيرة في النجف. يوم الافتتاح كان بالنسبة لها لحظة انتصار شخصية كبيرة، ليس لأنها حققت مشروعًا ناجحًا فقط، بل لأنها أثبتت أن المرأة تستطيع بناء فرصة من الصفر مهما كانت الظروف.
تقول بابتسامة امتزجت بالفخر:
“أتذكر أول يوم دخلت فيه النساء إلى القاعة، شعرت أن كل التعب والخوف والسهر لم يذهب هباءً.”
ومع الوقت، تحولت القاعة إلى مساحة اجتماعية وإنسانية أكثر من كونها مكانًا لممارسة الرياضة فقط.
نساء كثيرات وجدن هناك فرصة للهروب من الضغوط اليومية، وبعضهن بدأن رحلتهن لاستعادة الثقة بالنفس بعد سنوات من الإهمال أو المشكلات النفسية.
إحدى المتدربات، وتدعى أم زهراء، تقول إن شهلاء لم تكن مجرد مدربة رياضية، بل مصدر دعم حقيقي للنساء:
“كنت أعاني من الاكتئاب والعزلة بعد فترة صعبة في حياتي، وعندما بدأت التدريب معها تغيرت نفسيتي بالكامل. أصبحت أشعر أنني أقوى وأكثر قدرة على مواجهة الحياة.”
أما الشابة مريم، وهي طالبة جامعية، فتقول إن تجربة التدريب ساعدتها على التخلص من الخجل وبناء شخصية أكثر ثقة:
“شهلاء دائمًا تكرر لنا أن الجمال الحقيقي يبدأ من الصحة ومن احترام المرأة لنفسها.”
ورغم النجاح الذي حققته، تؤكد شهلاء أن الطريق ما زال مليئًا بالتحديات، خصوصًا مع الحاجة المستمرة لتطوير المعدات وتأمين بيئة مريحة للنساء، إضافة إلى التوعية بأهمية الرياضة النسوية في المجتمع.
وتشير إلى أن كثيرًا من النساء في النجف ما زلن يواجهن صعوبة في تخصيص وقت لأنفسهن بسبب المسؤوليات العائلية، لذلك تحاول دائمًا خلق أوقات تدريب مرنة تتناسب مع ظروفهن.
كما أطلقت مبادرات مجانية لدعم النساء ذوات الدخل المحدود، عبر تنظيم جلسات توعية صحية وتدريبات مجانية في بعض المناسبات، إيمانًا منها بأن الرياضة حق للجميع وليست حكرًا على فئة معينة.
تقول:
“هدفي ليس فقط تخفيف الوزن أو تحسين الشكل الخارجي، بل أريد للمرأة أن تشعر بالقوة من الداخل، أن تؤمن بنفسها وقدرتها على التغيير.”
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت شهلاء تنشر مقاطع توعوية ونصائح رياضية موجهة للنساء العراقيات، الأمر الذي ساهم في وصول رسالتها إلى جمهور أوسع داخل النجف وخارجها.
ورغم انشغالها اليومي، ما تزال تحرص على التوازن بين عملها وأسرتها، وتؤكد أن دعم عائلتها كان عنصرًا مهمًا في استمرارها.
وتقول إن النجاح الحقيقي بالنسبة لها لا يُقاس بعدد المشتركين أو حجم القاعة الرياضية، بل بعدد النساء اللواتي استطعن تغيير حياتهن للأفضل.
في نهاية حديثها، تنظر شهلاء إلى النساء المتدربات داخل القاعة، ثم تقول بصوت يحمل الكثير من الإيمان:
“كل امرأة تمتلك قوة كبيرة بداخلها، لكنها أحيانًا تحتاج فقط لمن يذكّرها بذلك.”
لقد أثبتت شهلاء أن التمكين لا يبدأ بالمال ولا بالمناصب، بل يبدأ من قرار داخلي بالشجاعة والاستمرار، وأن المرأة حين تؤمن بنفسها تستطيع أن تفتح أبوابًا جديدة لغيرها أيضًا.
وفي مدينة اعتادت أن تحفظ قصص الصبر والكفاح، تواصل شهلاء كتابة قصتها كل يوم، ليس بالأقوال فقط، بل بخطوات النساء اللواتي يدخلن قاعتها متعبات، ويخرجن منها أكثر قوة وثقة وأملًا بالحياة.