امرأة من ريف النجف زرعت الأمل وحصدت النجاح

خطوة / النجف

في أطراف محافظة النجف، حيث تمتد الحقول على مرمى البصر وتتشابك أصوات الطيور مع حفيف السنابل، تعيش أم رسول، امرأة خمسينية حفرت اسمها بصبرها في ذاكرة الريف. رحلة طويلة من الكفاح والإصرار، تحولت خلالها من امرأة تواجه الفقر والظروف القاسية إلى نموذج ملهم لتمكين النساء في المجتمعات الريفية.

أم رسول، البالغة من العمر خمسةً وخمسين عاماً، تسكن إحدى القرى الزراعية القريبة من مدينة النجف. هناك، في بيت طيني بسيط تحيطه أشجار الرمان والنخيل، بدأت رحلتها مع الحياة منذ طفولتها. اعتادت منذ سنواتها الأولى أن تستيقظ قبل شروق الشمس، تساعد والدها في سقي المزروعات، وتحمل المحاصيل الصغيرة إلى السوق الشعبي القريب. كانت الحياة الريفية قاسية، لكنها علمتها الصبر، وربطتها بالأرض بعلاقة تشبه الأمومة.

تزوجت في سن مبكرة، وانتقلت إلى بيت زوجها الذي كان يعمل هو الآخر في الزراعة. كانت تحلم بحياة مستقرة لعائلتها الصغيرة، لكن الظروف الاقتصادية وتقلبات المواسم الزراعية جعلت الحياة أكثر صعوبة مما توقعت. مرت سنوات طويلة وهي تكافح مع زوجها لتأمين لقمة العيش، إلى أن أصيب زوجها بمرض أقعده عن العمل، لتجد نفسها أمام مسؤولية كبيرة لم تكن تتوقعها.

تقول أم رسول وهي تنظر إلى يديها المتشققتين من العمل:
“في البداية شعرت بالخوف، كنت أفكر كيف سأعيل أطفالي وكيف سأحافظ على البيت والأرض. لكنني أدركت أن الاستسلام لن يطعم أبناءي.”

منذ تلك اللحظة، بدأت مرحلة جديدة في حياتها. لم تعد مجرد امرأة تساعد زوجها في الزراعة، بل أصبحت المسؤولة الأولى عن الأرض والعائلة. كانت تخرج إلى الحقول منذ ساعات الفجر الأولى، تزرع وتحصد وتسقي المزروعات بنفسها. تعلمت كيف تدير المواسم الزراعية، وكيف تتعامل مع التجار وأسواق بيع المحاصيل، رغم أن المجتمع الريفي لم يكن معتاداً على رؤية امرأة تتولى هذه المهام وحدها.

واجهت أم رسول الكثير من التحديات الاجتماعية. بعض الناس كانوا يعتقدون أن المرأة لا تستطيع إدارة العمل الزراعي بمفردها، فيما حاول آخرون التقليل من جهودها أو استغلال ظروفها. لكنها كانت ترد بالصمت والعمل.

تقول بابتسامة هادئة:
“كنت أؤمن أن النجاح الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج. الأرض تعرف من يتعب لأجلها، والرزق يأتي لمن يصبر.”

في السنوات الأولى، اعتمدت على زراعة الخضروات الموسمية كالطماطم والخيار والباذنجان، إضافة إلى تربية الدواجن وبيع منتجات الألبان المنزلية. كانت تستيقظ قبل الجميع لتحضير منتجاتها، ثم تنقلها إلى الأسواق الشعبية في النجف. ومع مرور الوقت، بدأت تكتسب سمعة طيبة بين الأهالي بسبب جودة منتجاتها وصدقها في التعامل.

لكن الطريق لم يكن سهلاً. فمواسم الجفاف وارتفاع أسعار المياه والبذور والأسمدة كانت تشكل تهديداً دائماً لعملها. وفي بعض السنوات، تعرضت محاصيلها للتلف بسبب الظروف المناخية القاسية، ما تسبب بخسائر كبيرة. رغم ذلك، لم تفكر يوماً بترك الأرض.

تقول:
“كل خسارة كانت درساً. كنت أعود وأبدأ من جديد، لأن الإنسان إذا ترك حلمه مرة فلن يستطيع استعادته بسهولة.”

ومع الوقت، بدأت أم رسول تبحث عن طرق جديدة لتطوير عملها الزراعي. شاركت في دورات تدريبية أقامتها منظمات محلية تهتم بتمكين النساء الريفيات، وتعلمت أساليب حديثة للزراعة وترشيد استخدام المياه. كما تعرفت على طرق تصنيع المنتجات الغذائية المنزلية مثل المربيات والأجبان والمخللات، ما وفر لها دخلاً إضافياً ساعدها على توسيع مشروعها.

شيئاً فشيئاً، تحولت أرضها الصغيرة إلى مشروع منتج يعتمد عليه أكثر من مصدر دخل. ولم يقتصر تأثيرها على عائلتها فقط، بل أصبحت تساعد نساء أخريات في قريتها، خاصة الأرامل والمطلقات، عبر إشراكهن في العمل الزراعي وصناعة المنتجات المنزلية.

إحدى النساء العاملات معها تقول:
“أم رسول لم تساعدنا بالمال فقط، بل أعادت لنا الثقة بأنفسنا. كانت دائماً تقول إن المرأة القوية تستطيع أن تبني بيتاً وحياة كاملة إذا امتلكت الإرادة.”

نجاح أم رسول لم يكن مادياً فقط، بل كان نجاحاً اجتماعياً وإنسانياً أيضاً. فقد أصبحت مثالاً للمرأة الريفية التي استطاعت أن تتحدى الظروف القاسية دون أن تفقد بساطتها أو ارتباطها بقيمها وعاداتها. أبناءها الذين كبروا وسط هذا الكفاح، أكمل بعضهم دراسته الجامعية، فيما ساعدها آخرون في تطوير العمل الزراعي.

وتؤكد أم رسول أن أكبر إنجاز تشعر بالفخر تجاهه هو أنها استطاعت أن تمنح أبناءها حياة أفضل مما عاشته هي. تقول بعينين يملؤهما التأثر:
“كنت أحلم فقط أن لا يشعر أولادي بالعجز الذي شعرت به يوماً. اليوم عندما أراهم ناجحين أشعر أن كل التعب كان يستحق.”

ورغم سنوات التعب الطويلة، ما زالت أم رسول تذهب يومياً إلى الحقول. تمشي بين المزروعات وكأنها تتفقد أبناءها، تلمس أوراق النباتات بعناية، وتراقب نموها بحب واضح. بالنسبة لها، الأرض ليست مجرد مصدر رزق، بل جزء من هويتها وذاكرتها.

وتؤمن أن تمكين المرأة الريفية يبدأ من منحها الفرصة والثقة. فهي ترى أن كثيراً من النساء يمتلكن القدرة على النجاح، لكنهن يحتجن إلى الدعم والتشجيع والتعليم.

وتقول:
“المرأة الريفية قوية بطبيعتها، لأنها تعيش وسط ظروف صعبة منذ الصغر. إذا حصلت على فرصة حقيقية، يمكنها أن تنجح في أي مجال.”

اليوم، ينظر أهالي القرية إلى أم رسول باحترام كبير. لم تعد تلك المرأة التي شكك البعض بقدرتها على إدارة الأرض، بل أصبحت رمزاً للكفاح والصبر في مجتمعها. كثير من النساء يزرنها طلباً للنصيحة أو للاستفادة من خبرتها، وهي لا تبخل على أحد بما تعلمته خلال سنوات العمل الطويلة.

وفي كل صباح، حين تشرق الشمس على حقول النجف، تكون أم رسول أول من يستقبل الضوء. تحمل معولها بيد، وخبرتها الطويلة باليد الأخرى، وتمضي نحو الأرض التي علمتها أن الأمل يشبه البذور؛ يحتاج إلى صبر طويل، لكنه في النهاية يثمر حياةً كاملة.

رئيس التحرير