حين تحوّلت الأمومة إلى رسالة..قصة امرأة صنعت جيلاً كاملاً

النجف / خطوة

في أحد أحياء مدينة النجف الهادئة، تبدأ إيناس حميد يومها قبل شروق الشمس بوقت قصير. ترتب حقيبتها الصغيرة بعناية، تراجع دفاتر الأطفال الملوّنة، وتضع بعض الألعاب التعليمية التي اعتادت أن تحملها معها كل صباح إلى روضة الأطفال التي تعمل فيها منذ سنوات طويلة. عند بوابة الروضة، تستقبلها أصوات الصغار بفرح يشبه الموسيقى، فتبتسم وكأنها تستمد من تلك الوجوه الصغيرة قوة تكفيها لمواجهة العالم كله.

إيناس، البالغة من العمر اثنين وأربعين عاماً، لم تكن حياتها سهلة كما تبدو للآخرين. فهي امرأة متزوجة لم تُرزق بأطفال، وهو أمر ما يزال يشكل في كثير من المجتمعات الشرقية ضغطاً نفسياً واجتماعياً كبيراً على المرأة، مهما بلغت من نجاح أو ثقافة أو مكانة. لكنها قررت منذ سنوات أن تواجه هذا التحدي بطريقة مختلفة، وأن تحوّل الألم الشخصي إلى طاقة تمنح الحياة للآخرين.

تقول إيناس وهي ترتب رسومات الأطفال داخل الصف:
“في البداية كان الأمر صعباً جداً، كنت أشعر بالحزن كلما رأيت طفلاً ينادي أمه، لكنني مع الوقت اكتشفت أن الله منحني فرصة لأكون قريبة من مئات الأطفال، لا طفل واحد فقط.”

منذ طفولتها، كانت تحلم بأن تصبح معلمة. كانت تميل دائماً إلى الأطفال، وتحب مساعدتهم وتعليمهم الحروف والألوان. وبعد إكمال دراستها الجامعية، التحقت بسلك التعليم وعملت في رياض الأطفال، لتجد نفسها في المكان الذي يشبه روحها تماماً.

لكن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود. ففي السنوات الأولى من عملها، واجهت صعوبات كثيرة، منها ضعف الإمكانات التعليمية، وضغط العمل، والنظرة التقليدية التي تقلل أحياناً من أهمية التعليم المبكر. كما واجهت أسئلة مؤلمة من بعض الناس حول عدم إنجابها، وكأن قيمة المرأة تُختصر فقط في الأمومة البيولوجية.

كانت تسمع تعليقات جارحة في بعض المناسبات الاجتماعية، لكنها تعلّمت مع الوقت ألا تسمح للكلمات بأن تكسرها. تقول:
“أصعب شيء أن يشعر الإنسان بأنه مراقب دائماً أو موضع شفقة، لكنني كنت أؤمن أن لكل إنسان رسالته الخاصة، ورسالة حياتي كانت مع الأطفال والتعليم.”

ومع مرور السنوات، تحوّلت إيناس إلى واحدة من أكثر المعلمات قرباً من الأطفال والأهالي داخل الروضة. فهي لا تكتفي بتعليم الحروف والأرقام، بل تحاول أن تزرع الثقة والمحبة في نفوس الصغار. كانت تؤمن أن الطفل الذي يتلقى الاحترام والاهتمام في سنواته الأولى، سيكبر وهو أكثر قدرة على النجاح والتوازن.

اعتمدت أساليب تعليم حديثة تعتمد على اللعب والرسم والمسرح الصغير، وبدأت تصنع وسائل تعليمية بيديها من أدوات بسيطة بسبب محدودية الموارد. كانت تقضي ساعات طويلة بعد انتهاء الدوام لتحضير الأنشطة اليومية، دون أن تنتظر مكافأة أو تقديراً.

إحدى زميلاتها في الروضة تصفها قائلة:
“إيناس لا تتعامل مع الأطفال كوظيفة، بل كرسالة إنسانية. حتى الأطفال الخجولون أو الذين يعانون من مشاكل في النطق أو السلوك، تجدها تمنحهم وقتاً إضافياً وصبراً كبيراً.”

ومع ازدياد خبرتها، بدأت الأمهات يطلبن نصائحها في كيفية التعامل مع أطفالهن، خصوصاً في ما يتعلق بالتربية النفسية والسلوكيات المبكرة. كانت تؤمن أن المعلمة ليست مجرد موظفة داخل الصف، بل عنصر مؤثر في المجتمع كله.

ورغم انشغالها في العمل، لم تتوقف عن تطوير نفسها. شاركت في دورات تدريبية تخص التعليم المبكر وتنمية مهارات الطفل، وكانت تحرص على قراءة الكتب التربوية الحديثة. كما أصبحت تشارك في نشاطات اجتماعية تهدف إلى دعم النساء وتشجيعهن على الاستقلال والعمل.

وفي مجتمع ما تزال بعض النساء فيه يواجهن قيوداً اجتماعية تحدّ من أحلامهن، أصبحت قصة إيناس مصدر إلهام لكثيرات، خصوصاً النساء اللواتي تعرضن لظروف صعبة أو أحكام اجتماعية قاسية. فهي تؤمن أن النجاح لا يرتبط بظرف معين، بل بقدرة الإنسان على الاستمرار رغم الألم.

تقول:
“المرأة ليست نصف المجتمع فقط، بل هي التي تبني الإنسان منذ طفولته. وإذا كانت المرأة قوية ومتعلمة وواثقة من نفسها، فإن المجتمع كله سيكون أقوى.”

وخلال السنوات الأخيرة، ساهمت إيناس في تنظيم فعاليات تربوية داخل الروضة، تضمنت عروضاً للأطفال وورشاً توعوية للأهالي حول أهمية التعليم المبكر. وكانت تحرص دائماً على إشراك الأمهات في الأنشطة المدرسية لتعزيز العلاقة بين البيت والروضة.

في أحد الاحتفالات المدرسية، وقف طفل صغير وأهداها وردة أمام الجميع قائلاً: “أنتِ مثل أمي.”
تلك اللحظة، كما تقول، كانت من أكثر اللحظات تأثيراً في حياتها، لأنها شعرت أن تعب السنوات الطويلة لم يذهب سدى.

ورغم التحديات الاقتصادية وضغوط الحياة اليومية، لم تفكر يوماً بترك مهنتها. كانت ترى في كل طفل قصة جديدة وفرصة جديدة لصناعة الأمل. حتى في أصعب الأيام، كانت تدخل الصف بابتسامة كي لا ينقل الأطفال عنها أي حزن.

زوجها أيضاً كان الداعم الأكبر لها، إذ وقف إلى جانبها في كل المراحل الصعبة، وشجعها على الاستمرار في عملها وعدم الاستسلام لنظرة المجتمع. وتقول إن الدعم النفسي داخل الأسرة يمنح المرأة قوة كبيرة لمواجهة التحديات الخارجية.

ومع مرور الوقت، لم تعد إيناس تفكر كثيراً في ما ينقصها، بل في ما تستطيع أن تقدمه. هذا التحول في طريقة التفكير جعلها أكثر سلاماً مع نفسها، وأكثر قدرة على التأثير في الآخرين.

اليوم، وبعد أكثر من سنوات طويلة في مجال التعليم، ما تزال تدخل صفها الصغير بالشغف نفسه الذي بدأت به أول يوم عمل. الأطفال يركضون نحوها، والأهالي يثقون بها، وزميلاتها يعتبرنها نموذجاً للمرأة الصبورة والناجحة.

قررت أن تصنع من الألم معنى، ومن الحرمان رسالة، ومن التحديات طريقاً للنجاح. لقد أثبتت أن تمكين المرأة لا يبدأ بالمناصب الكبيرة فقط، بل يبدأ حين تؤمن المرأة بنفسها وبقدرتها على العطاء مهما كانت الظروف.

وفي مدينة مثل النجف، التي تحمل تاريخاً طويلاً من العلم والثقافة، تواصل إيناس كل صباح صناعة مستقبل جديد عبر وجوه الأطفال الصغار، مؤمنة أن بناء الإنسان هو أعظم إنجاز يمكن أن تحققه أي امرأة.

رئيس التحرير