نون والنسوة وعماد الوجود:

نون والنسوة وعماد الوجود:

م.م امير ابو طبيخ / خطوة

في محراب “الأم” التي تختصر كمال الدنيا التاريخ: و26 حزيران / تضيق قواميس اللغة، ووتتوارى البلاغة خجلاً عندما تشرع الأقلام في الكتابة عن كينونة “الأم”. فالأم ليست مجرد رابطة بيولوجية أو مسمى اجتماعي، بل هي وطن أول، وملاذ أخير، والركيزة التي يستند إليها العالم كي لا يسقط. وإذا كان لكل إنسان في هذه الحياة بوصلة يهتدي بها، فإن بوصلتي كانت وما زالت تلك الإنسانة العظيمة التي وصفتها مراراً وتكراراً، وعن قناعة راسخة، بأنها “الدنيا بأكملها”. في هذا اليوم المبارك، السادس والعشرين من حزيران (26/6)، يحتفل التقويم الشخصي لروحي بمناسبة هي الأغلى والأبهى؛ إنه يوم ميلاد السيدة التي أشرقت من عينيها شمس عمري. إن الوفاء يقتضي منا في مثل هذا التاريخ ألا نمر عليه مرور الكرام، بل أن نتأمل في عظمة العطاء المستمر، والنفس الطويل من الصبر والتضحية التي قدمتها هذه الأم لتصنع من أيامنا حقولاً خضراء. تزامن روحي ووقار طاهر يكتسب هذا التاريخ، 26/6، في هذا العام تحديداً، أبعاداً وجدانية وروحية استثنائية؛ إذ يتزامن حلول ميلادها الغالي مع إشراقة شهر محرم الحرام. هذا التوافق ليس مجرد مصادفة عابرة في الحسابات الفلكية، بل هو التقاء مشهود بين طهرين: طهر الأمومة التي جعل الله الجنة تحت أقدامها، ووقار شهر محرم الذي تتجلى فيه معاني التضحية، المبادئ الراسخة، والخشوع الإيماني. إن هذا التزامن يضفي على مشاعرنا تجاه الأم هيبةً خاصة؛ فالحب هنا يتجرد من بهرجه المادي ليصبح ابتهالاً روحيّاً خالصاً. في شهر محرم، حيث تلبس النفوس ثوب السكينة والإجلال، نجد في قلب الأم ذات النقاء والوفاء الذي لا يتبدل ولا يزول. إنه احتفاء بالقيم الإنسانية المطلقة التي تجسدها الوالدة في أسمى صورها. دعاء في محراب العطاء يا قرة العين، ويا نبض الفؤادو بزوغ النفحات الإيمانية لهذا الشهر الخاشع، تقف الكلمات عاجزة في حضرة فضلكِ العظيم. لا أجد في جعبتي ما يليق بمقامكِ الأسمى سوى أن أرفع أكف الضراعة إلى الباري عز وجل، بحرمة هذه الأيام المقدسة، أن يحفظكِ بعينه التي لا تنام، وأن يحيطكِ بفيض صبحه ويمنه، ويمد في عمركِ ويبارك في صحتكِ، لتظلي دائماً النور الذي يبدد عتمة الدروب، والسد المنيع الذي نلتجئ إليه من تقلبات الزمن. كل عام وأنتِ يا أمي الغالية عماد بيتنا، ونور أيامنا، وملاذ أرواحنا الدافئ. كل عام وأنتِ الدنيا بأسرها وفي أبهى كمالها في عيني.

رئيس التحرير