الفن التشكيلي… حين تتكلم الألوان بما تعجز عنه الكلمات

الفن التشكيلي… حين تتكلم الألوان بما تعجز عنه الكلمات

د نورس العادلي/خطوة

منذ أن خطّ الإنسان الأول رسوماته على جدران الكهوف، كان الفن التشكيلي أكثر من مجرد خطوط وألوان؛ كان رسالة وجود، وشهادة حياة، ومرآة تعكس ما يختلج في الروح من أحلام وآمال وهواجس. فالفنان لا يرسم ما تراه العين فحسب، بل ما تشعر به النفس وما يدركه الوجدان.

في كل لوحة حكاية لا تُروى بالكلمات، وفي كل لون نبضٌ خفيّ يهمس للمتأمل بمعانٍ تتجاوز حدود اللغة. فاللون الأزرق ليس مجرد لون للسماء، بل قد يكون مساحة للسكينة أو رمزاً للحلم البعيد، والأحمر ليس مجرد صبغة زاهية، بل قد يكون صرخة حب أو نداء ألم أو وهج حياة.

لقد كان الفن التشكيلي عبر العصور سجلاً بصرياً لحضارات الأمم وذاكرتها الحية. فمن خلاله حفظت الشعوب ملامحها، ووثقت أفراحها وأحزانها، وانتصاراتها وانكساراتها. وما تزال المتاحف والمعارض حول العالم شاهدة على قدرة الريشة في مقاومة النسيان، وعلى قوة الصورة في عبور الزمن.

وفي العراق، أرض الحضارات الأولى، يمتلك الفن التشكيلي جذوراً ضاربة في عمق التاريخ، تمتد من النقوش السومرية والبابلية والآشورية إلى تجارب الفنانين المعاصرين الذين حملوا هموم الوطن وآماله إلى فضاءات الإبداع. فكانت اللوحة العراقية انعكاساً لروح المكان، وحواراً دائماً بين الماضي العريق والحاضر المتجدد.

غير أن الفن لا يزدهر بالمواهب وحدها، بل يحتاج إلى بيئة حاضنة تؤمن برسالته وتدرك قيمته. فدعم الفنانين، وإقامة المعارض، وتشجيع الفنون في المدارس والجامعات، ليس ترفاً ثقافياً، بل استثمار في الوعي والجمال والهوية الوطنية.

إن الأمم التي تحتفي بالفن هي أمم تعرف كيف تصنع الحياة. فالفن ليس زينة تضاف إلى المجتمع، بل روح تسري في أوصاله، تمنحه القدرة على الحلم، وتجعله أكثر إنسانية ورقياً. وحين تتكلم الألوان، تصمت الكلمات احتراماً لجمال المعنى

رئيس التحرير