سيدة ثلاثينية تمكّن نفسها وأخريات بالخياطة
خطوة/ النجف
في عمق محافظة النجف حيث يمتزج عبق الماضي بتطلعات المستقبل، “أم محمد”، امرأة في الثلاثين من عمرها متزوجة وأم لأربعة أطفال. لم تكن الخياطة بالنسبة لأم محمد مجرد مهنة تدر الدخل، بل كانت طريقًا نحو التمكين الاقتصادي وكسر قيود النظرة التقليدية للمرأة العاملة. بين مواجهات تحديات المجتمع، والرغبة في تحسين واقع أسرتها، وخطوة بعد أخرى، استطاعت أم محمد أن تفتح ورشة خياطة صغيرة
بداية الحلم: من الحاجة إلى الريادة
تتحدث أم محمد عن بداياتها قائلة“كنت أبحث عن وسيلة أساعد بها زوجي وأوفر لأطفالي حياة كريمة. في البداية، لم يكن لدينا المال لفتح مشروع كبير، لكني بدأت بالخياطة في البيت مستخدمة آلة قديمة أهدتني إياها والدتي. كان الخوف من فشل المشروع يلاحقني، لكنني آمنت أن كل عمل شريف هو بداية لنجاح أكبر.”
لم يكن الطريق سهلاً، فقد واجهت صعوبات مالية ونفسية واجتماعية. لكنها بدأت بتفصيل ملابس بسيطة لجاراتها، وما لبثت أن انتقلت شهرتها من بيت إلى بيت حتى صار بيتها ورشة مصغرة.
تحديات المجتمع: نظرة تقليدية وتردد في الدعم
تتحدث سعاد الجبوري، المختصة بالشأن الاجتماعي في النجف
“رغم التحسن النسبي في تقبل المجتمع لعمل المرأة، لا تزال هناك معوقات كبيرة. بعض العائلات ترفض خروج المرأة للعمل أو استقبال زبائن في المنزل. أم محمد من النساء القلائل اللواتي تحدين هذه النظرة، وأثبتن أن العمل المنزلي يمكن أن يكون مصدر فخر.”
تقول أم محمد:
“بعض الأقارب انتقدوا قراري باستقبال زبونات في المنزل. حتى زوجي لم يتحمس للفكرة بدايةً، لكنه تغير حين لمس نتائج جهدي. صرت أحقق دخلًا شهريًا جيدًا وساعدته في مصاريف البيت.”

التمكين الاقتصادي وتشغيل الأيادي العاملة
منذ عامين، تمكنت أم محمد من توسيع نشاطها وفتح ورشة خياطة صغيرة في الحي. تروي قائلة: “كبرت الطلبات وصار من الصعب أن أعمل وحدي. قررت أن أوظف معيامرأتين من قريباتي لمساعدتي. أصبحنا فريقًا صغيرًا يدعم بعضنا البعض. ليس دخلي فقط الذي تحسّن، بل دخل كل من يعمل معي.”
ويعلق السيد حسن الموسوي، مسؤول وحدة دعم المشاريع الصغيرة في النجف: “تجربة أم محمد دليل على أهمية المشاريع المنزلية في تشغيل الأيادي العاملة المحلية. نجاحها شجع نساء أخريات على المبادرة وطرق باب العمل الحر.”
نظرة الزبائن: من الشك إلى الاحترام
تحكي السيدة زينب، إحدى زبونات الورشة الدائمات: “كنت أبحث عن خياطة متقنة وأمينة. في البداية ترددت لأن أم محمد تعمل من المنزل، لكن بعد تجربتي الأولى معها، أصبحت لا أذهب لغيرها. تعاملها راقٍ وأسعارها مناسبة وجودة عملها عالية. أرى في عملها نموذجًا يحتذى به.”وتضيف: “الكثير من صديقاتي أصبحوا زبونات لها. أم محمد حولت هوايتها وطموحها إلى مشروع يدر الخير عليها وعلى من حولها.”

تحديات التعليم والتطوير المهني
لم تتوقف أم محمد عند حدود ما تعلمته من والدتها، بل سعت لتطوير نفسها. تقول:
“أتابع قنوات تعليم الخياطة على الإنترنت وأشارك في دورات تدريبية متى ما أتيحت لي الفرصة. أحلم بتعلم تصميم الأزياء وبرمجة ماكينات الخياطة الحديثة، لكن ضعف الموارد والالتزامات العائلية تعيقني أحيانًا.”
وتقول هدى الأسدي، مدربة مهنية محلية: “أم محمد مثال للإرادة. رغم قلة الإمكانيات، تثابر على التعلم وتطوير مهاراتها، ودائمًا تشجع الأخريات على حضور الورش والدورات. نحتاج في مجتمعنا المزيد من المبادرات التي تدعم هذا النوع من النساء.”
الدعم الأسري: حجر الزاوية في قصة النجاح
يقول زوج أم محمد، السيد علي: “في البداية كنت متخوفًا من نظرة الناس، لكني مع مرور الوقت أدركت قيمة ما تفعله زوجتي. أصبحت مصدر رزق لنا جميعًا، وأشعر بالفخر بجهودها. اليوم أساعدها في شراء الأقمشة وتوصيل الطلبات وأشجع أبنائي على احترام عمل أمهم.”
وتعلق أم محمد عن تأثير ذلك: “صرت أشعر بالأمان والدعم، وهذا ما دفعني للعمل بجدية أكبر وأفكر في توسيع الورشة مستقبلًا.”
أثر الورشة: تغيير في حياة نساء الحي
تقول سارة، إحدى العاملات في الورشة: “كنت عاطلة عن العمل وأعاني من الوحدة والوضع المادي الصعب. عندما عرضت علي أم محمد العمل معها، فتحت لي باب الأمل. اليوم لدي دخل ثابت وأشعر بأن لي قيمة في المجتمع.”أم محمد امرأة. استطاعت أن تتخطى الحواجز المجتمعية،

“النجاح ليس حكرًا على أصحاب الشهادات أو رؤوس الأموال الكبيرة، بل يبدأ بفكرة صغيرة وإرادة لا تلين” هكذا تختم أم محمد حديثها، تاركة بصمة في قلوب كل من يعرفها، ودافعًا لنساء كثيرات أن ينسجن أحلامهن من خيوط الأمل والعمل.
