امرأة نجفية صنعت نجاحها في القطاع الخاص بالإصرار والعمل
النجف/ وكالة خطوة للانباء
في مدينة النجف، حيث تتداخل الحكايات اليومية مع طموحات الشباب الباحثين عن فرصة حقيقية، تعيش استبرق أحمد، امرأة تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عامًا، استطاعت أن تشق طريقها بثبات داخل القطاع الخاص، متحديةً الكثير من الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي غالبًا ما تقف بوجه النساء العاملات.
استبرق، خريجة كلية الإدارة والاقتصاد، لم تكن تؤمن بفكرة انتظار الفرص طويلًا، بل كانت ترى أن النجاح يبدأ حين يقرر الإنسان أن يصنع فرصته بنفسه. منذ سنوات الدراسة الأولى، كانت تمتلك شخصية مختلفة؛ هادئة في حديثها، لكنها واضحة في أهدافها، تؤمن بأن العلم وحده لا يكفي، وأن النجاح الحقيقي يحتاج إلى جرأة وتجربة وصبر طويل.
ولدت استبرق ونشأت في النجف وسط عائلة بسيطة تؤمن بأهمية التعليم والعمل. كانت والدتها دائمًا تردد أمامها أن المرأة القوية ليست فقط من تحصل على شهادة جامعية، بل من تستطيع الاعتماد على نفسها ومواجهة الحياة بثقة. ربما لهذا السبب كبرت وهي تحمل رغبة حقيقية بإثبات ذاتها داخل المجتمع.
خلال دراستها الجامعية في كلية الإدارة والاقتصاد، كانت من الطالبات المجتهدات اللواتي يهتمن بالتفاصيل الدقيقة. لم تكن تكتفي بالمحاضرات النظرية، بل كانت تحاول فهم سوق العمل وكيفية إدارة المشاريع والتعامل مع الناس. كانت تدرك مبكرًا أن سوق العمل في العراق، خصوصًا للنساء، ليس سهلًا، وأن الوظائف الحكومية لم تعد الطريق الوحيد لبناء المستقبل.
بعد التخرج، بدأت رحلة البحث عن عمل، وهي المرحلة التي تصفها بأنها الأصعب في حياتها. تقول إن الكثير من الأبواب أُغلقت بوجهها في البداية بسبب قلة الخبرة، بينما كانت بعض الجهات تفضّل توظيف الرجال على النساء في القطاع الخاص. لكن استبرق لم تسمح للإحباط أن يهزمها.
بدأت أولى خطواتها في شركة صغيرة تعمل بمجال التسويق والإدارة. كان الراتب بسيطًا، وساعات العمل طويلة، لكنها اعتبرت تلك المرحلة فرصة للتعلم واكتساب الخبرة. كانت تصل إلى العمل مبكرًا وتغادر متأخرة، تراقب طريقة الإدارة، وتتعلم كيفية التعامل مع الزبائن وتنظيم الحسابات وإدارة فرق العمل.
ومع مرور الوقت، بدأت شخصيتها المهنية تبرز بشكل واضح. امتلكت قدرة على حل المشكلات والتواصل مع الآخرين، إضافة إلى أسلوب هادئ جعلها محط احترام زملائها. لم تكن تبحث عن النجاح السريع، بل كانت تؤمن بالتدرج والثبات.
تقول زميلتها في العمل، مريم كاظم
“استبرق من أكثر الشخصيات التي عملت معها التزامًا. كانت دائمًا تتحمل ضغط العمل دون شكوى، وتساعد الجميع حتى لو لم يكن ذلك ضمن مسؤولياتها. أعتقد أن سر نجاحها هو أنها تؤمن بما تفعله فعلًا.”
بعد سنوات من العمل والخبرة، استطاعت استبرق الانتقال إلى شركة أكبر، وهناك بدأت تتحمل مسؤوليات إدارية أوسع. أصبحت تشرف على تنظيم الأعمال والتخطيط المالي والتواصل مع الزبائن والشركات الأخرى. كانت تشعر أن كل خطوة جديدة تمنحها ثقة أكبر بنفسها.
لكن الطريق لم يكن خاليًا من التحديات. فالعمل في القطاع الخاص يتطلب جهدًا مضاعفًا واستقرارًا أقل مقارنة بالوظائف الحكومية، إضافة إلى النظرة التقليدية التي ما تزال موجودة أحيانًا تجاه المرأة العاملة. واجهت استبرق الكثير من الضغوط، لكنها كانت ترى أن الاستسلام ليس خيارًا.
تقول استبرق:
“كنت أؤمن أن المرأة قادرة على النجاح في أي مجال إذا امتلكت الإرادة والدعم النفسي الكافي. التحديات موجودة دائمًا، لكن المهم أن لا نتوقف.”
مديرها السابق، الأستاذ حيدر الساعدي، الذي تحدث عنها قائلاً:
“استبرق كانت نموذجًا للموظفة الطموحة. لم تكن تكتفي بتنفيذ المهام المطلوبة، بل كانت تبحث دائمًا عن حلول وأفكار جديدة لتطوير العمل. خلال فترة قصيرة استطاعت أن تثبت وجودها بسبب اجتهادها واحترامها للمهنة.”
ومع توسع خبرتها، بدأت استبرق تفكر بطريقة مختلفة. لم تعد ترى نفسها مجرد موظفة، بل امرأة قادرة على بناء مشروعها الخاص مستقبلًا. لذلك شاركت في دورات تدريبية متعددة تتعلق بريادة الأعمال والإدارة الحديثة والتسويق الإلكتروني، وكانت تحاول باستمرار تطوير مهاراتها لمواكبة التغيرات في سوق العمل.
أصدقاؤها المقربون يقولون إنها شخصية عملية جدًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل جانبًا إنسانيًا واضحًا. كانت تحاول دائمًا تشجيع الفتيات الأصغر سنًا على دخول سوق العمل وعدم الخوف من التجربة. وكانت تؤمن أن استقلال المرأة اقتصاديًا يمنحها قوة وثقة أكبر بنفسها.
شقيقتها الصغرى، زهراء، التي قالت:
“استبرق تعبت كثيرًا حتى تصل إلى ما هي عليه اليوم. أتذكر أيامًا كانت تعود فيها مرهقة جدًا من العمل لكنها رغم ذلك تستمر بالدراسة والتطوير. بالنسبة لنا داخل العائلة، هي مثال للمرأة المكافحة التي لم تعتمد على الحظ بل على تعبها.”
ورغم انشغالها الكبير بالعمل، لم تنفصل استبرق عن مجتمعها. كانت تشارك أحيانًا في مبادرات شبابية تهدف إلى دعم النساء الباحثات عن عمل، وتقدم نصائح للفتيات حول كيفية كتابة السيرة الذاتية والاستعداد للمقابلات الوظيفية.
كما كانت تحرص على إيصال فكرة مهمة دائمًا، وهي أن العمل في القطاع الخاص ليس خيارًا مؤقتًا أو أقل قيمة، بل يمكن أن يكون مساحة حقيقية للنجاح والتطور إذا تعامل الإنسان معه بجدية.
ومع كل إنجاز تحققه، كانت استبرق تتذكر بداياتها الصعبة، وتلك اللحظات التي شعرت فيها بالخوف من المستقبل. لكنها اليوم تنظر إلى تلك المرحلة بفخر، لأنها صنعت منها امرأة أقوى وأكثر وعيًا.
رحلة امرأة نجفية قررت أن تواجه الحياة بثبات، وأن تثبت أن الطموح لا يرتبط بجنس أو عمر أو ظروف معينة، بل بإيمان الإنسان بنفسه.
واليوم، أصبحت استبرق أحمد مثالًا للكثير من النساء الشابات في النجف، خصوصًا الخريجات اللواتي يبحثن عن فرصة داخل سوق العمل. فقد أثبتت أن المرأة قادرة على النجاح داخل القطاع الخاص، وعلى بناء مكانتها المهنية باجتهادها وشخصيتها وإصرارها.
ورغم كل ما حققته حتى الآن، ما تزال تنظر إلى المستقبل بعين مليئة بالطموح. تحلم بتأسيس مشروعها الخاص، وأن تخلق فرص عمل للشباب والفتيات، لتمنح الآخرين الفرصة التي بحثت عنها طويلًا في بداية طريقها.
وفي مدينة مثل النجف، حيث تتولد الأحلام بصمت، تبقى استبرق أحمد واحدة من النساء اللواتي أثبتن أن النجاح الحقيقي يبدأ بخطوة شجاعة وإيمان لا ينكسر.