لا للعنف ضد المرأة.. نحو مجتمع آمن وواعٍ

لا للعنف ضد المرأة.. نحو مجتمع آمن وواعٍ

قد يبدأ العنف ضد المرأة بكلمة جارحة، أو تهديد، أو إهانة متكررة، أو سلوك يقلل من شأنها ويؤثر في ثقتها بنفسها وشعورها بالأمان. وقد يظهر في صورة تحكم في قراراتها، أو تقييد لحريتها، أو تنمر، أو تمييز، أو ابتزاز إلكتروني.

ولهذا فإن مواجهة العنف ضد المرأة لا ينبغي أن تبدأ بعد تفاقم المشكلة، وإنما تبدأ من الوعي والوقاية وتعزيز ثقافة الاحترام والحوار، خصوصًا في البيئة الجامعية التي تمثل مساحة مهمة لبناء شخصية الشباب وتشكيل أفكارهم تجاه قضايا المجتمع.

الجامعة مساحة لصناعة الوعي

لا تقتصر الجامعة على تقديم المعرفة الأكاديمية فهي أيضًا مساحة لبناء الشخصية وتكوين الأفكار واكتساب مهارات التواصل والمشاركة.

ومن هنا تأتي أهمية أن تكون البيئة الجامعية قائمة على الاحترام والتعاون وقبول الاختلاف، وأن يشعر كل طالب وطالبة بأن لهم مساحة آمنة للتعبير عن آرائهم والمشاركة في الحياة الجامعية.

فالوعي الذي يكتسبه الطلبة داخل الجامعة لا يبقى محصورًا في القاعات الدراسية، وإنما ينتقل معهم إلى الأسرة ومكان العمل والمجتمع.

ولهذا فإن تعزيز ثقافة احترام المرأة ومناهضة السلوكيات المؤذية يمكن أن يكون جزءًا أساسيًا من بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا.

العنف له أشكال متعددة

قد لا يكون العنف واضحًا دائمًا، فقد يظهر من خلال الإهانة أو التقليل من قيمة المرأة أو السخرية منها أو ممارسة الضغط عليها أو التحكم في قراراتها.

وقد يأخذ شكلًا اقتصاديًا عندما تُمنع المرأة من الاستقلال بعملها أو دخلها، أو اجتماعيًا عندما تُعزل عن محيطها أو تُفرض عليها قيود تحد من مشاركتها.

كما أصبح الفضاء الرقمي مجالًا جديدًا لبعض أشكال الإساءة، من خلال الابتزاز الإلكتروني، أو التهديد، أو نشر المعلومات والصور الخاصة، أو محاولة السيطرة على الحسابات الشخصية.

وقد تبدو بعض هذه الممارسات بسيطة في نظر الآخرين، لكنها يمكن أن تترك آثارًا نفسية عميقة لدى من تتعرض لها.

التنمر والإهانة.. سلوكيات تحتاج إلى وعي

داخل البيئة الجامعية، يمكن أن يظهر التنمر بأشكال مختلفة، مثل السخرية من الشكل أو اللهجة أو المستوى الاجتماعي أو القدرات الشخصية.

وقد تتكرر بعض الكلمات أو التعليقات تحت عنوان المزاح، لكنها قد تكون مؤذية وتترك أثرًا في نفس الشخص الذي يتعرض لها.

لذلك فإن نشر ثقافة الاحترام يبدأ من التفاصيل اليومية، ومن إدراك أن الكلمة يمكن أن تكون وسيلة لبناء الإنسان، كما يمكن أن تكون سببًا في إيذائه.

ولا يعني الاختلاف بين الطلبة أن يتحول إلى تقليل من شأن الآخر أو إقصائه، فالجامعة مساحة للتنوع وتبادل الأفكار، وليست مكانًا لفرض رأي واحد أو إلغاء الآخر.

الابتزاز الإلكتروني.. وعي يحمي الطالبات

أصبح الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي جزءًا أساسيًا من حياة الطالبات، سواء للتواصل أو الدراسة أو العمل والمشاركة في الأنشطة المختلفة.

ومع هذا الاستخدام تظهر الحاجة إلى وعي أكبر بالأمان الرقمي، خصوصًا مع انتشار محاولات الابتزاز والتهديد واستغلال المعلومات الشخصية.

وتستطيع الطالبة حماية نفسها من خلال الاهتمام بأمان حساباتها، واستخدام كلمات مرور قوية، وتفعيل المصادقة الثنائية، وعدم مشاركة المعلومات الخاصة مع الآخرين.

وفي حال التعرض للتهديد أو الابتزاز، فإن الصمت والخوف لا ينبغي أن يكونا الحل، بل من المهم طلب المساعدة من جهة موثوقة والاحتفاظ بالأدلة وعدم الاستجابة للضغوط.

إن نشر الثقافة الرقمية بين الطالبات أصبح جزءًا مهمًا من حماية المرأة وتعزيز قدرتها على استخدام التكنولوجيا بصورة آمنة.

الصحة النفسية جزء من الأمان

البيئة الآمنة لا تعني فقط توفير مكان مناسب للدراسة، وإنما تعني أيضًا أن تشعر الطالبة بالاحترام والتقدير والقدرة على التعبير عن نفسها دون خوف أو ضغط.

فالتنمر المستمر أو الإهانة أو التهديد أو التقليل من قيمة الإنسان يمكن أن تؤثر في ثقته بنفسه، وقد تؤدي إلى العزلة والقلق وصعوبة التركيز والتراجع في الأداء الدراسي.

ولهذا فإن الاهتمام بالصحة النفسية داخل البيئة الجامعية يمثل جزءًا من بناء بيئة تعليمية أكثر أمانًا.

كما أن طلب الدعم النفسي لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه ضعف، بل يمكن أن يكون خطوة إيجابية تساعد الإنسان على التعامل مع الضغوط واستعادة ثقته بنفسه.

 

لا نلوم المرأة

من المهم أن تتغير الطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى المرأة التي تواجه مشكلة أو تتعرض لسلوك مؤذٍ.

فالمرأة لا ينبغي أن تتحمل مسؤولية تصرفات الآخرين، كما أن طرح الأسئلة التي تلقي اللوم عليها قد يزيد من شعورها بالخوف ويمنعها من طلب المساعدة.

المجتمع الواعي هو الذي يستمع ويحترم ويقدم الدعم، بدلًا من إصدار الأحكام.

وفي الجامعة، يمكن أن تسهم هذه الثقافة في بناء علاقات أكثر احترامًا بين الطلبة، وتعزيز الشعور بأن طلب المساعدة حق وليس مصدرًا للخجل.

الطالبات شريكات في صناعة الحل

ليست الطالبات مجرد متلقيات لحملات التوعية، بل هن شريكات أساسيات في صناعة بيئة جامعية أكثر وعيًا.

فالطالبة تستطيع أن تساهم في نشر الرسائل الإيجابية بين زميلاتها، وأن ترفض التنمر والسخرية والإساءة، وألا تعيد نشر محتوى يسيء إلى الآخرين، وأن تشجع من تحتاج إلى المساعدة على طلبها من الجهات المناسبة.

كما يمكن للطالبات المشاركة في الأنشطة الثقافية والإعلامية والتوعوية التي تتناول احترام المرأة والتمكين والحوار والتماسك المجتمعي.

ومن خلال هذه المشاركة، تتحول التوعية من رسالة تُقدم للطالبات إلى ثقافة تصنعها الطالبات أنفسهن.

دور الجامعة في بناء بيئة آمنة

تستطيع الجامعة أن تؤدي دورًا مهمًا في نشر الوعي من خلال المحاضرات والندوات والأنشطة الثقافية والإعلامية، وإتاحة مساحات للحوار حول القضايا التي تهم الطلبة.

كما أن التعاون بين الجامعة ومنظمات المجتمع المدني يمكن أن يفتح مجالات أوسع للتوعية والتدريب وإنتاج المحتوى الذي يخاطب الشباب بلغة قريبة منهم.

وفي هذا الإطار، يمكن للشراكة بين منظمة صدى المرأة للثقافة والإعلام والجهات الجامعية أن تسهم في تقديم رسائل توعوية تركز على احترام المرأة، وتعزيز الوعي، ودعم المشاركة، وبناء علاقات قائمة على الحوار والتفاهم.

فالعمل المشترك بين المؤسسات التعليمية ومنظمات المجتمع المدني يمكن أن يجعل التوعية أكثر تأثيرًا واستمرارية.

 

من الجامعة إلى المجتمع

ما تتعلمه الطالبة في الجامعة لا يبقى داخل أسوارها.

فالطالبة اليوم قد تصبح غدًا طبيبة أو مهندسة أو صحفية أو معلمة أو موظفة أو رائدة أعمال، وستحمل معها القيم والأفكار التي اكتسبتها خلال سنوات الدراسة.

ولهذا فإن الاستثمار في وعي الطالبات هو استثمار في المجتمع كله.

فعندما تعرف المرأة حقوقها، وتثق بقدراتها، وتدرك أهمية احترام الذات والآخرين، وتعرف كيف تتعامل مع الضغوط والمشكلات، فإنها تصبح أكثر قدرة على المشاركة في بناء مجتمع متوازن.

نحو مجتمع آمن وواعٍ

إن مواجهة العنف ضد المرأة مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمتد إلى المدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.

ولا يمكن بناء مجتمع آمن من خلال القوانين والإجراءات وحدها، وإنما من خلال تغيير الثقافة والسلوك وتعزيز الاحترام في الحياة اليومية.

فالوعي يبدأ بكلمة، وقد يبدأ أيضًا بموقف؛ موقف يرفض الإهانة، أو يساند شخصًا يحتاج إلى المساعدة، أو يوقف تنمرًا، أو يرفض مشاركة محتوى مسيء، أو يوجه شخصًا إلى الجهة التي تستطيع مساعدته.

«لا للعنف ضد المرأة» ليست مجرد عبارة لحملة توعوية، بل رسالة تعكس مسؤولية جماعية في بناء بيئة أكثر احترامًا وأمانًا.

ومن الجامعة يمكن أن تبدأ هذه الرسالة، لأن الجامعة لا تصنع الشهادات فقط، وإنما تسهم في صناعة الإنسان.

فحين نزرع الاحترام في الجامعة، فإننا نزرعه في المجتمع. وحين نبني وعيًا لدى الطالبات والشباب اليوم، فإننا نؤسس لمجتمع أكثر أمانًا وتماسكًا في الغد.

لا للعنف ضد المرأة.. ونعم لجامعة ومجتمع يسودهما الوعي والاحترام والكرامة.

هذا العمل من تنفيذ وحدة شؤون المرأة في كلية التقنيات الصحية والطبية للتأهيل الطبي / النجف الاشرف  وبالتعاون مع منظمة صدى المرأة للثقافة والإعلام، عضو اللجنة الفرعية لمكافحة التطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب في محافظة النجف الأشرف

رئيس التحرير