المقاومة ضرورة استراتيجية: و فلسفة الردع لحماية الهوية الوطنية في العراق

المقاومة ضرورة استراتيجية: و فلسفة الردع لحماية الهوية الوطنية في العراق

م.م امير ابو طبيخ / النجف الاشرف

في أدبيات العلوم السياسية والعلاقات الدولية، لا تُقاس شرعية الظواهر السياسية بالأطر القانونية الجامدة والمجردة فحسب، بل بمدى قدرتها على الاستجابة للتحديات الوجودية التي تواجه الأمة. وفي المشهد العراقي المعاصر، برز فكر “المقاومة” ليس كحالة عابرة، بل كإفراز طبيعي لبيئة أمنية معقدة ومخاطر داهمة هددت كيان الدولة والمجتمع. من هنا، فإن قراءة فكر المقاومة تقتضي تجاوز النظرة السطحية، والولوج إلى عمق الفلسفة التي تجعل من هذا السلاح ركيزة أساسية للأمن القومي، وصمام أمان لحفظ السيادة والهوية الوطنية.

1. الشرعية الوجودية: المقاومة كمنقذ للدولة في الأزمات الحتمية
تثبت التجارب التاريخية المعاصرة أن المقاومة كانت الظهير والسند للمؤسسات الرسمية عندما واجهت الدولة خطر الانهيار التام:

فتوى الجهاد الكفائي وهزيمة الإرهاب: عندما اجتاح تنظيم “داعش” ثلث الأراضي العراقية عام 2014 ووصل إلى أسوار العاصمة، كانت سرعة استجابة فصائل المقاومة وتلاحمها مع الفتوى الدينية هي الجدار الصلب الذي منع سقوط الدولة.

سد الفراغ الاستراتيجي: قدمت المقاومة نموذجاً في المرونة العسكرية والقدرة على خوض حروب العصابات والمدن، وهو نمط من القتال قد تعجز عنه الجيوش النظامية التقليدية، مما يجعل وجودها قوة رديفة لا غنى عنها لحماية الجغرافيا العراقية.

2. فلسفة الردع ومواجهة الخلل في ميزان القوى الدولي
تنطلق المقاومة من رؤية واقعية تفيد بأن النظام الدولي لا يحمي الضعفاء، وأن القوة هي

الضمانة الوحيدة لمنع الاستباحة الخارجية:

توازن الردع: في ظل وجود مشاريع إقليمية ودولية تسعى لفرض أجنداتها على بغداد، يشكل سلاح المقاومة عنصر توازن أمني يمنع القوى الكبرى من التفرّد بالقرار العراقي أو فرض إملاءات سياسية واقتصادية تمس بسيادة البلاد.

إنهاء الاحتلال والتبعية: يُنظر إلى السلاح كأداة شرعية لضمان الخروج الكامل والفعلي للقوات الأجنبية، وتحقيق الاستقلال الناجز الذي لا يمكن أن يتم عبر القنوات الدبلوماسية وحدها دون وجود قوة حقيقية على الأرض تدعم التفاوض السياسي.

3. عقيدة الانتماء وحماية الهوية الثقافية والمجتمعية
لا تقتصر وظيفة المقاومة على الجانب العسكري، بل تمتد لتشمل أبعاداً فكرية وعقائدية تمنحها مقبولية شعبية واسعة:

التلاحم مع الوجدان الشعبي: تستمد المقاومة قوتها من “عقيدة الانتماء” للأرض والمقدسات، وهي عقيدة تتجاوز المفهوم البيروقراطي للوظيفة العسكرية، مما يجعل مقاتليها يتحركون بدافع التضحية لا بدافع الامتيازات والمناصب.

مواجهة التزييف الإعلامي: في عصر “الحروب الهجينة” التي تستهدف وعي الشعوب، تقف المقاومة كحائط صد أمام محاولات التغريب الثقافي وتزييف الحقائق، معيدةً توجيه البوصلة نحو القضايا المركزية للأمة، وعلى رأسها مناهضة الهيمنة واستعادة الكرامة الوطنية.

4. نحو مأسسة المقاومة: تكامل الأدوار مع الدولة
المقبولية الكاملة للمقاومة تتجلى في قدرتها على التناغم مع مفهوم الدولة دون الذوبان الذي يفقدها فاعليتها، وذلك من خلال:

قوننة الوجود: إن إقرار قانون هيئة الحشد الشعبي يمثل خطوة متقدمة في إعطاء المقاومة غطاءً رسمياً يجمع بين “شرعية الإنجاز” و”شرعية القانون”، مما يدمج القوة العقائدية في هيكلية أمن القومي الشامل.
تكامل المهام: حيث تتولى القوات المسلحة المهام الدفاعية التقليدية والأمن الداخلي، بينما تمثل قوى المقاومة عمقاً استراتيجياً وقوة ردع استباقية ضد التهديدات غير النمطية والعابرة للحدود.

خاتمة
إن فكر المقاومة في العراق ليس خروجاً عن منطق الدولة، بل هو تأسيس لمنطق “الدولة القوية” القادرة على حماية نفسها. إن المقبولية المجتمعية والسياسية للمقاومة تنبع من حقيقة كونها خياراً وطنياً فرضته التحديات، وضمانة حيوية لمنع تكرار نكسات الماضي. وفي عالم لا يعترف إلا بالأقوياء، يظل هذا الفكر وسلاحه ركيزة أساسية لصون السيادة، وحفظ الهوية، وبناء مستقبل عراقي مستقل بعيداً عن محاور الهيمنة الدولية

 

رئيس التحرير