بين دفاتر الأمس البسيطة وأجهزة اليوم الذكية

بين دفاتر الأمس البسيطة وأجهزة اليوم الذكية

د نورس العادلي/خطوة/ الديوانيه

، تقف أجيال كاملة شاهدة على تغيّر الحياة الدراسية بكل تفاصيلها.
جيلٌ كان يذهب إلى المدرسة سيراً على الأقدام، يحمل حقيبته بخفة، ويقطع الطريق مع أطفال المنطقة وسط الضحكات والأحاديث البريئة، لا يعرف شيئاً اسمه “خط نقل” أو سيارة تنتظره أمام الباب. كان الطريق إلى المدرسة جزءاً من الذكريات، وجزءاً من التربية على الصبر والاعتماد على النفس.

أما الدراسة نفسها، فكانت أكثر بساطة وأشد تعباً في الوقت ذاته.
الطالب سابقاً يجلس وحده مع كتابه، يقرأ ويحاول أن يفهم بنفسه، دون مدرس خصوصي، أو معاهد تقوية، أو قنوات يوتيوب تشرح له السؤال خطوة بخطوة. حتى الملازم المطبوعة لم تكن متوفرة للجميع، فبعض الطلبة كانوا يكتفون بالكتاب المدرسي لأن شراء الملازم كان عبئاً لا يستطيع كل بيت تحمّله.

اليوم تغيّر المشهد كثيراً.
أصبح الطالب محاطاً بكل وسائل الدعم؛ معهد صباحي ومسائي، مدرس خاص للمراجعة، وإنترنت يفتح له أبواب الشرح في أي وقت. بضغطة زر يجد الأسئلة الوزارية، والمرشحات، والفيديوهات التعليمية، وحتى الحلول النموذجية. التكنولوجيا جعلت الوصول إلى المعلومة أسهل وأسرع، لكنها في الوقت نفسه جعلت الحياة الدراسية أكثر ازدحاماً وضغطاً.

ولم يكن الاختلاف في الدراسة وحدها، بل حتى في تفاصيل الفسحة المدرسية الصغيرة.
اليوم ينتظر بعض الطلبة “الريزو” و”الكنافة” و”البوشار” و”الجبس” بنكهات متعددة، والآيس كريم والمندي والوجبات السريعة التي أصبحت جزءاً من يومهم الدراسي.

أما الأمس، فكان مختلفاً بطعمه البسيط الجميل.
كان “الجامد” المصنوع يدوياً في البيوت تبيعه النساء قرب باب المدرسة، وكانت أكياس التمر الهندي الحامضة، وأكياس “الگوجه” الخضراء مع الملح، و”گلات حب عين الشمس” الأسود الناعم، هي متعة الفسحة التي لا يتجاوز ثمنها 250 ديناراً، لكنها كانت تمنح الأطفال فرحاً حقيقياً لا يُشترى.

بين هذين العالمين، وُلدت أجيال مختلفة…
جيل عرف التعب والبساطة، فصنع من القليل ذكريات لا تُنسى، وجيل يعيش اليوم رفاهية أكبر ووسائل أسهل، لكنه يواجه تحديات جديدة وضغوطاً مختلفة.

لا يمكن القول إن زمناً كان أجمل من الآخر بشكل مطلق، فلكل جيل ظروفه وحكايته الخاصة. لكن ما يبقى ثابتاً هو أن قيمة الإنسان لا تصنعها كثرة الوسائل، بل قدرته على الاجتهاد، وصناعة الذكريات، والاحتفاظ بروح البساطة مهما تغيّرت الحياة.

رئيس التحرير