اليوم العاشر… ملحمة الخلود

د نورس العادلي خطوة

حين أطلَّ اليوم العاشر من محرم، لم يكن صباحًا يشبه سائر الصباحات، بل كان موعدًا كتبته السماء بمداد الفداء، لتشهد الأرض أعظم ملحمة عرفها التاريخ. في كربلاء، وقف الحسين بن علي عليه السلام وحيدًا في ظاهر العدد، عظيمًا في جوهر الرسالة، يحمل بين جنبيه قلب النبوة وروح العدالة، ويعلن للعالم أن الكرامة أثمن من الحياة، وأن الحق لا يُقاس بكثرة الأنصار، بل بصدق الموقف.

كانت الشمس تميل نحو كربلاء، لكنها خجلت من نور الحسين. كل ذرة تراب هناك كانت تحفظ خطاه، وكل نسمة ريح كانت تردد اسمه. لم يخرج طالب ملكٍ ولا سلطان، بل خرج ليوقظ ضمير الأمة، ويقول كلمته الخالدة: إن الإنسان قد يُقتل، لكن المبدأ لا يموت.

وفي ظل رايته، تجلّى الوفاء في أبهى صوره، حين نهض أبو الفضل العباس عليه السلام، ذلك القمر الذي أضاء ظلمة الطف. لم يكن العباس أخًا للحسين فحسب، بل كان قلبه النابض وسيفه الصادق وعينه الساهرة. وحين قصد الفرات، لم يكن يبحث عن ماءٍ لنفسه، بل عن قطرة حياة للأطفال العطاشى. مدّ يده إلى الماء، ثم تذكّر عطش الحسين وأهل بيته، فرمى الماء من كفه، معلنًا أن الوفاء أعظم من الظمأ، وأن الأخوة الحقّة تُقاس بما يتركه المرء من أجل من يحب.

قاتل العباس بشجاعة الأسود، لكن شجاعته لم تكن شجاعة القوة وحدها، بل شجاعة الإيمان والطاعة. سقطت يداه، وبقيت راية الوفاء مرفوعة، وسقط جسده، وبقي اسمه واقفًا على مر العصور، يعلّم الناس أن البطولة الحقيقية أن تفنى في سبيل الحق وأنت راضٍ مطمئن.

أما أصحاب الحسين، فقد كانوا نجومًا أحاطت بشمس الإمامة. لم يكونوا رجال حرب فحسب، بل رجال عقيدة وبصيرة. وقفوا بين يدي الحسين ليلة العاشر، وقد أذن لهم بالرحيل، فقالوا بقلوبٍ تسبق ألسنتهم: لو قُتلنا ثم أحيينا ثم قُتلنا ألف مرة، ما تركناك يا ابن رسول الله. أي يقين هذا الذي يجعل الموت أمنية إذا كان في نصرة الحق؟ وأي حب هذا الذي يجعل القلوب تتسابق إلى الشهادة كما يتسابق العطاش إلى الماء؟

في ذلك اليوم، كتب حبيب بن مظاهر، ومسلم بن عوسجة، وزهير بن القين، وبقية الصفوة، صفحات من نور لا تطويها السنون. كانوا قلةً في العدد، لكنهم ملأوا الدنيا معنى، حتى صار ذكرهم خالدًا مع ذكر الحسين، لأنهم اختاروا أن يكونوا مع الحق ولو كان الطريق إليه مفروشًا بالدماء.

ثم بقي الحسين وحده، يودّع الأحبة، وينظر إلى السماء بعين الرضا. كان يعلم أن جسده سيقع على الثرى، لكن رسالته ستنهض في كل زمان. وحين ارتفعت صيحته الأخيرة، لم تكن نداء رجل يحتضر، بل نداء أمة تولد من جديد: ألا من ناصرٍ ينصرنا؟ فظل صداها يعبر القرون، يوقظ الأحرار في كل مكان.

إن اليوم العاشر من محرم ليس ذكرى حزن فحسب، بل مدرسة للإنسانية. فيه نتعلم من الحسين عظمة الثبات، ومن العباس قداسة الوفاء، ومن أصحاب الحسين شجاعة الموقف وصدق البيعة. لذلك بقيت كربلاء حيّة في القلوب، لأن الدم الذي سُفك هناك لم يكن دمًا عابرًا، بل كان نهرًا من الكرامة يسقي ضمير البشرية إلى الأبد.

سلامٌ على الحسين يوم وُلد، ويوم استشهد، ويوم يُبعث حيًّا.
وسلامٌ على العباس، راية الوفاء التي لا تنكس.
وسلامٌ على أصحاب الحسين، الذين علّموا الدنيا أن الشهادة مع الحق حياة، وأن الموت في سبيل المبدأ خلود لا ينتهي.

لا يتوفر وصف للصورة.

رئيس التحرير