حين يصبح الإهمال شريكًا في الجريمة

حين يصبح الإهمال شريكًا في الجريمة

د نورس العادلي/خطوة

أثارت قضية الطفلة ناي، ذات الأعوام الثلاثة، صدمةً كبيرة في المجتمع، لما حملته من تفاصيل مؤلمة لا يمكن لأي إنسان أن يتقبلها. لكن، بعيدًا عن تفاصيل هذه الحادثة، فإن الواجب الحقيقي لا يكمن في الاكتفاء بالحزن والغضب، بل في التوقف أمام الأسباب التي تجعل مثل هذه المآسي ممكنة.

ليست كل مأساة وليدة لحظة، بل قد تكون نتيجة سلسلة طويلة من الإهمال، وغياب الرقابة، وضعف التوجيه الأسري، وترك الأطفال يواجهون العالم وحدهم.

لقد أصبح من المألوف أن يقضي بعض الأطفال ساعات طويلة خارج المنزل، أو في بيوت الجيران، أو في الشوارع، دون متابعة حقيقية من ذويهم. ويظن البعض أن وجود الطفل بين أطفال آخرين يعني أنه في أمان، بينما الحقيقة أن الأطفال أنفسهم يحتاجون إلى من يراقبهم ويوجههم ويضع لهم الحدود. فالطفل لا يمتلك دائمًا القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، وقد يتأثر بمحتوى عنيف أو إباحي، أو يقلد سلوكًا شاهده في الإنترنت أو الألعاب الإلكترونية، أو يمارس تصرفات لا يدرك عواقبها.

إن التربية ليست توفير الطعام والملبس فقط، بل هي حضور دائم، ومتابعة، وسؤال، ومعرفة أين يوجد الطفل، ومع من يلعب، ومتى يعود، وما الذي يشاهده ويتعلمه.

وفي المقابل، فإن الأطفال الذين يرتكبون سلوكيات خطيرة هم أيضًا ضحايا لغياب التربية والتقويم. فالطفل الذي يكبر دون رقابة، أو دون تعليم قيم الاحترام والرحمة وحدود التعامل مع الآخرين، قد يتحول إلى مصدر خطر على نفسه وعلى من حوله. وهذا لا يعني إعفاءه من المسؤولية المناسبة لعمره، لكنه يدق ناقوس الخطر حول مسؤولية الأسرة والمجتمع في الوقاية قبل وقوع الكارثة.

كما أن الظروف الاجتماعية الصعبة، مثل الطلاق أو انشغال الوالدين أو انتقال مسؤولية الرعاية إلى الأقارب، تتطلب اهتمامًا مضاعفًا بالطفل، لا اهتمامًا أقل. فالطفل في هذه الظروف يكون أكثر حاجة إلى الاحتواء، والمتابعة، والشعور بالأمان، وليس إلى تركه لساعات طويلة دون إشراف.

إن حماية الأطفال ليست مسؤولية الأم وحدها، ولا الأب وحده، بل هي مسؤولية الأسرة بأكملها، والمدرسة، والمجتمع، والدولة. ويجب أن تتحول كل حادثة مؤلمة إلى درس يدفعنا لإعادة النظر في أساليب التربية، ومراقبة استخدام الأطفال للإنترنت، وتعليمهم احترام خصوصية الآخرين، وعدم تركهم دون إشراف مهما بدت البيئة المحيطة آمنة.

فالوقاية خير من الندم، والطفولة أمانة، وكل دقيقة من المتابعة قد تمنع مأساة لا يمكن إصلاحها لاحقًا.

إن قضية ناي يجب ألا تبقى مجرد خبر مؤلم نتداوله أيامًا ثم ننساه، بل ينبغي أن تكون جرس إنذار يدعونا إلى مراجعة أنفسنا، لأن حماية الأطفال تبدأ من باب المنزل، ومن عينٍ لا تغفل، وقلبٍ لا يتوقف عن السؤال: أين طفلي؟ ومع من يقضي وقته؟ وهل هو حقًا في أمان؟

رئيس التحرير