الذكاء الاصطناعي وتزييف الصور: عندما تتحول التكنولوجيا إلى أداة للعنف الرقمي ضد النساء

د نورس العادلي/خطوة

يشهد العالم تطورًا متسارعًا في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أسهمت في إحداث نقلة نوعية في مجالات التعليم والطب والإعلام والاقتصاد. إلا أن هذا التطور، كما يحمل فرصًا كبيرة، يحمل أيضًا مخاطر متزايدة عندما يُساء استخدامه. ومن أخطر هذه المخاطر استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في تزييف الصور والفيديوهات، لتصبح وسيلة جديدة لممارسة العنف الرقمي ضد النساء وانتهاك كرامتهن وخصوصيتهن.

يعتمد هذا النوع من العنف على استخدام برامج الذكاء الاصطناعي لإنشاء صور أو مقاطع فيديو مزيفة تبدو حقيقية، يتم فيها تركيب وجه الضحية على صور أو مشاهد لم تحدث مطلقًا. وقد تُنشر هذه المواد بهدف التشهير، أو الابتزاز، أو الانتقام، أو الإساءة إلى السمعة، دون أن تكون للضحية أي علاقة بالمحتوى المنشور.

وتكمن خطورة هذه الجريمة في أن الضحية قد تكون بريئة تمامًا، ومع ذلك تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن سمعتها وإثبات أن الصور أو الفيديوهات مزيفة. وفي كثير من الحالات، لا يميز المتلقي بين الحقيقة والتزييف، فينتشر المحتوى بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويترك آثارًا نفسية واجتماعية ومهنية قد تستمر لسنوات.

ولا يقتصر تأثير هذا النوع من العنف على الجانب الشخصي، بل يمتد إلى الحد من مشاركة النساء في الحياة العامة. فقد تتردد الكثير من النساء في الظهور الإعلامي، أو المشاركة في العمل السياسي، أو النشاط المجتمعي، أو حتى مشاركة صورهن الشخصية، خوفًا من إساءة استخدامها أو التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي.

ومن الناحية النفسية، يسبب هذا النوع من الجرائم مشاعر الخوف، والقلق، وفقدان الشعور بالأمان، وانعدام الثقة بالفضاء الرقمي، وقد يقود إلى العزلة الاجتماعية أو ترك الدراسة أو العمل، نتيجة الضغط النفسي والخوف من نظرة المجتمع.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب استجابة شاملة، تبدأ بتحديث التشريعات لتجريم إنتاج ونشر المحتوى المزيف الذي ينتهك خصوصية الأفراد، وتعزيز قدرات الجهات المختصة في التحقيق بالجرائم الرقمية، وإلزام المنصات الرقمية بسرعة إزالة المحتوى المزيف عند الإبلاغ عنه. كما تتطلب نشر ثقافة التحقق من صحة الصور والمقاطع المتداولة، وعدم إعادة نشر أي محتوى قبل التأكد من مصدره، إلى جانب تعزيز الوعي بالأمن الرقمي وحقوق الضحايا.

وفي المقابل، يقع على المجتمع دور مهم في تغيير ثقافة لوم الضحية، فالمسؤولية القانونية والأخلاقية تقع على من يصنع المحتوى المزيف أو ينشره أو يساهم في تداوله، وليس على المرأة التي استُهدفت بهذه الجريمة.

إن الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا في حد ذاته، بل هو أداة يمكن أن تخدم الإنسانية أو تُستخدم للإضرار بها. والتحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا، وإنما في كيفية استخدامها، وفي قدرة المجتمعات على تطوير قوانين وسياسات وآليات حماية تضمن أن يبقى التقدم التقني في خدمة الإنسان، لا وسيلة لانتهاك حقوقه وكرامته. فحماية النساء من العنف الرقمي لم تعد خيارًا، بل أصبحت ضرورة لضمان فضاء رقمي آمن يحفظ الكرامة والخصوصية والعدالة للجميع.

رئيس التحرير