تأثير البلوكرات على الفتيات… بين صناعة الوهم وتحديات بناء الهوية
د نورس العادلي/خطوة
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل أو الترفيه، بل أصبحت أحد أهم العوامل المؤثرة في تشكيل الوعي والسلوك والهوية، ولا سيما لدى الفتيات في مرحلة المراهقة والشباب. وفي هذا الفضاء الرقمي، برزت ظاهرة “البلوكرات” بوصفها قوة مؤثرة تتجاوز حدود الترفيه لتصل إلى التأثير في أنماط التفكير، والمظهر، والاستهلاك، وحتى منظومة القيم.
إن التعامل مع هذه الظاهرة لم يعد شأنًا اجتماعيًا فحسب، بل أصبح قضية ترتبط بالصحة العامة، لأن الصحة بمفهومها الحديث لا تقتصر على غياب المرض، وإنما تشمل السلامة النفسية والاجتماعية والقدرة على اتخاذ قرارات سليمة وبناء علاقات صحية مع الذات والمجتمع.
تتعرض الفتيات يوميًا لسيل من الصور والمقاطع التي تعرض حياة تبدو مثالية، وأجسادًا توصف بأنها كاملة، ورفاهية استثنائية، ونجاحًا يبدو سهل المنال. ومع التكرار، تبدأ المقارنة الصامتة بين الواقع وما يُعرض على الشاشة، فتتراجع الثقة بالنفس، ويزداد الشعور بعدم الرضا عن المظهر أو الإمكانات أو أسلوب الحياة، رغم أن كثيرًا مما يُنشر هو محتوى انتقائي يخضع للتعديل والإخراج والإعلانات المدفوعة.
وتشير الأدبيات العلمية إلى أن التعرض المستمر لهذا النوع من المحتوى قد يرتبط بارتفاع معدلات القلق، واضطراب صورة الجسد، وانخفاض تقدير الذات، والسلوك الاستهلاكي المفرط، وهي مؤشرات تستدعي الاهتمام من منظور الصحة النفسية والوقاية المجتمعية.
ولا تقتصر الآثار على الجانب النفسي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل أولويات الفتيات. فعندما تصبح الشهرة هدفًا بحد ذاته، وعدد المتابعين معيارًا للنجاح، قد يتراجع الاهتمام بالتعليم، والمهارات، والعمل الجاد، لصالح البحث عن الانتشار السريع، مهما كانت الوسيلة. وهنا يبرز خطر تحويل الشهرة إلى قيمة اجتماعية أعلى من المعرفة والإنجاز.
كما أن الترويج لأنماط استهلاك مبالغ فيها، وإظهار المنتجات على أنها مفتاح السعادة أو القبول الاجتماعي، يعمق الضغوط الاقتصادية على الأسر، ويعزز ثقافة الاستهلاك بدلًا من ثقافة الإنتاج، وهو ما ينعكس على الاستقرار الأسري والاقتصادي للمجتمع.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد على أن المشكلة ليست في وجود البلوكرات، ولا في وسائل التواصل الاجتماعي بحد ذاتها، وإنما في غياب الضوابط المهنية والأخلاقية لدى بعض صناع المحتوى، وضعف الثقافة الرقمية لدى المتلقين. فهناك نماذج مشرقة استخدمت تأثيرها لنشر المعرفة، وتعزيز الصحة، وتشجيع القراءة، ودعم المبادرات الإنسانية، وإلهام الشباب نحو الإبداع والعمل.
إن مواجهة التأثيرات السلبية لا تكون بالمنع أو التخويف، بل ببناء الوعي. فالأسرة مطالبة بالحوار مع أبنائها، والمؤسسات التعليمية مطالبة بإدخال مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية ضمن برامجها، والمؤسسات الصحية مطالبة بالاهتمام بالصحة النفسية الرقمية، كما أن الجهات التشريعية مدعوة إلى تطوير أطر تنظم المحتوى الإعلاني، وتحمي الأطفال والمراهقين من الرسائل المضللة، وتضمن قدرًا أكبر من الشفافية في الإعلانات والترويج التجاري.
لقد أصبح الاستثمار في الوعي الرقمي ضرورة وطنية، وليس خيارًا. فالمجتمعات التي تُحصّن أبناءها بالتفكير النقدي، والوعي الإعلامي، والثقة بالنفس، ستكون أكثر قدرة على مواجهة التأثيرات السلبية، وأكثر استعدادًا لبناء جيل يصنع المحتوى بدلًا من أن يكون أسيرًا له.
إن مستقبل الفتيات لا ينبغي أن يُرسم بخوارزميات المنصات، ولا بعدد الإعجابات والمتابعين، بل بالعلم، والوعي، والقيم، والقدرة على التفكير المستقل. فالشهرة قد تصنع اسمًا، لكنها لا تصنع إنسانًا، أما المعرفة والأخلاق فهما ما يبقى أثره في الفرد والمجتمع.
إن مسؤوليتنا اليوم ليست محاربة التكنولوجيا، بل توجيهها، وليس مقاومة التطور، بل استثماره لبناء مجتمع أكثر وعيًا وصحةً واستقرارًا. وعندما ندرك أن حماية الفتيات تبدأ بحماية عقولهن وثقتهن بأنفسهن، سنكون قد وضعنا الخطوة الأولى نحو مجتمع أكثر توازنًا وقدرة
على مواجهة تحديات العصر الرقمي
.