الجثث الرقمية عندما يبقى الإنسان حيًّا على الشاشة بعد رحيله

الجثث الرقمية عندما يبقى الإنسان حيًّا على الشاشة بعد رحيله

د. نورس العادلي \ خطوة

بعد وفاة الأستاذ (أ.ز)، بقي حسابه على الفيس بوك ينشر المواد التعليمية، ويقدم التهاني والتعازي للأهل والأصدقاء بمناسباتهم كافة.

لكن صاحب الحساب لم يعد موجودًا.

زوجته (ه.م)، التي تعمل معلمة، كانت وأخذت على عاتقها إدارة صفحته التعليمية، كونه كان مدرسًا لمادة اللغة الإنكليزية للصف السادس العلمي، وتقوم بإعادة نشر المواد التعليمية التي يحتاجها طلابه.

تقول:

بعد وفاته لم أغلق حسابه، كوني أعرف الأرقام السرية لفتح الجهاز والتطبيقات، وأخذت على عاتقي إعادة نشر المواد التعليمية في صفحته التعليمية لطلابه للاستفادة منها، وأيضًا أقدم التهاني والتعازي للأهل والأصدقاء، ومشاركة المواضيع والصور التي كان يفضلها على حسابه الشخصي. أشعر من هذا أن رسالته العلمية مستمرة وأثره لم ينقطع بعد رحيله.

بالنسبة لزوجته، لم تكن أو تقصد انتحال شخصيته، كانت تريد أن تستمر مسيرته العلمية، وتبقى مواده العلمية متاحة لطلابه، ولا ينتهي اسمه بعد رحيله.

ما فعلته الزوجة يفتح بابًا للسؤال أكبر: من يدير حساباتنا بعد الموت؟ ومن يقرر مصير الصور والبيانات والمنشورات بعد الموت؟

الموت ينهي حياة الإنسان، لكن لا يمحو أثره في العالم الرقمي، حيث تبقى الحسابات لعدة سنوات بعد وفاة الشخص إن كان أحد أفراد العائلة يعرف كلمة الدخول للحساب.

ومن هنا ظهرت تسمية (الإرث الرقمي) أو (الجثث الرقمية)، توصف ما بقي من وجود الإنسان بعد رحيله.

رسائل إلى أب راحل

قصة الشاب (ع.م) وحساب والده (م.ح) بعد وفاته مختلفة.

بعد وفاة والده، وبدأت العائلة تتقاسم التركة، طلب من إخوته إعطاءه هاتف والده ليبقى معه، ليس لسبب غير أنه يحسه جزءًا من والده، بقي معه ولم يرحل.

يقول:

عندما قسمنا التركة، كان طلبي من إخوتي بقاء هاتف والدي معي، وأنا أدير حسابه الإلكتروني، لكوني أحس بالأمان حين أراه منشورًا منه يظهر، وأنه ما زال موجودًا، وأقوم بإرسال الرسائل التي كنت أرسلها له بحياته، وأكتب ما يجول في خاطري من أمور أحتاج البوح بها لوالدي. أعرف أنه لم يقرأها، لكني أحس بالأمان وتخفف ألم الفقد.

يعلم الابن أن والده لم يعد موجودًا ولا يقرأها، لكنه ما زال يكتب إليه.

بالنسبة له، أصبح مكانًا يستطيع اللجوء إليه، ويكتب ما لم يستطع التحدث به وجهًا لوجه معه.

قصتا الزوجة والابن تكشف أن الحسابات الإلكترونية ليست مجرد صفحات تستخدم للنشر، قد تكون شيئًا مهمًا للعائلة، وتعتبره جزءًا مهمًا من ذكرى الشخص الراحل، وتعتز بها كونها تمثل حضوره بينهم.

لكن لماذا يتمسك البعض بحسابات أشخاص رحلوا؟

الحداد انتقل إلى الشاشة

يرى د. سامر شمعة، المختص بعلم الاجتماع، أن الإنسان يتغير مع متغيرات الحياة ويتأثر بها. بعد دخول العالم الرقمي، الذي أصبح جزءًا مهمًا من الحياة الاعتيادية، امتدت لوضع الإنسان وكيف يتعامل مع الموت والفقدان.

ويفسر شمعة استخدام حساب المتوفى من قبل أحد أفراد أسرته لعدة جوانب، منها ما يعرف بـ(الحداد الرقمي)، حيث يشعر من يديرها أنها جزء من الوفاء له، وأنه موجود، ويبقيه حيًّا في عالم الفضاء الرقمي.

ويرى أن هذا السلوك يفسر تأجيل الاعتراف بصدمة الفقد، أو محاولة نفسية لإبعاد فكرة الغياب الحقيقي والفقد.

وهناك شعور آخر أن ترك الحساب وبقاءه مهجورًا يعني التخلي عن المتوفى وعدم الوفاء له.

ويربط شمعة إذا كان المتوفى ذا علاقات اجتماعية واسعة أو مكانة مجتمعية، كأن يكون شيخ عشيرة أو رجل دين أو موظفًا حكوميًا، ربما شخصية بارزة في محيطه، يحاول أهله وأقرباؤه بقاءها حفاظًا على العلاقات الاجتماعية التي بناها في حياته.

هنا لا تبقى الصفحات أرشيفًا للذكريات والصور، بل للعلاقات المستمرة رغم فقدان صاحبها.

لكن بقاء هذه الصفحات تطرح عدة أسئلة: هل يقبل المتوفى لو كان حيًّا استخدامها بعده؟ أو إذا ذهب هذا الحساب لشخص آخر وأساء استخدامه؟

ماذا يحدث للحساب بعد وفاة صاحبه؟

المهندس علي عمار الأعسم، الحاصل على الماجستير في الأمن السيبراني، أن انتهاء حياة الشخص لا تعني انتهاء أهمية البيانات والمعلومات الموجودة فيه.

يقول:

إن حسابات الأشخاص لا تنتهي بوفاتهم، بل تتحول إلى ما يسمى بالإرث الرقمي أو الجثث الرقمية، وهذا يستدعي التعامل معها بحذر من ناحية الأهمية والخصوصية.

ويشير الأعسم أن سياسة الفيس بوك وضعت سياسة خاصة تحول حسابات المتوفين إلى حساب تذكاري، وتبقى المنشورات ظاهرة وحسب إعدادات الخصوصية التي وضعها الشخص قبل وفاته، وتقيد إمكانية الدخول لها.

كما توجد إجراءات معينة تثبت الهوية بعد الوفاة، وخطوات تحقق لحماية الصفحة للحد من العبث أو إدارتها بصورة سيئة.

لكن المشكلة تكمن قبل وفاة الشخص، عندما يشارك كلمة المرور مع شخص آخر، هنا يستطيع الدخول واستخدام الصفحة بحرية كاملة.

ولهذا يشير الأعسم إلى أهمية خاصية (جهة الاتصال القديمة) التي يوفرها فيسبوك، إذ يستطيع المستخدم أن يحدد مسبقًا شخصًا يتولى بعض الأمور المتعلقة بحسابه بعد وفاته، ضمن صلاحيات محددة، من دون أن يعني ذلك منحه حق الدخول الكامل إلى الحساب أو الاطلاع على الرسائل الخاصة.

من يملك الحساب بعد الموت؟

بعد الرد التقني يأتي السؤال القانوني: هل ممكن أن يكون الحساب ضمن التركة ويرثه الزوجة أو الأبناء، ولهم الحق باستخدامه في حال معرفة كلمة المرور؟

القانوني عيسى الكعبي يرى أن هذه الصفحات تكون ضمن الإرث، ولكن يجب استخدامها بصورة صحيحة وأخلاقية.

ويقول:

إن من حق الأسرة أن ترث الحساب الخاص بالمتوفى، ولا سيما الزوجة والأبناء المخولين بإدارة الصفحة والحفاظ عليها وعلى سياق النشر والاستخدام السابق لها، للحفاظ على الذكريات وتجنب الإساءة للمتوفى واستخدامها لأغراض أخرى.

ويؤكد الكعبي أن المشكلة تكمن في حالة وصول الصفحة وإدارتها بدون علم الورثة، واستخدام المعلومات والرسائل الخاصة فيها لأمور غير أخلاقية، وإثارة مشاكل باستغلال المعلومات الموجودة، أو يتحدث باسمه ويسبب مسألة قانونية وأخلاقية لأهله.

وينصح بعدم مبادلة كلمة المرور مع أحد، وغلق الصفحة بعد الوفاة والحفاظ عليها كذكرى إذا لم تكن هناك حاجة لبقائها، حفاظًا على خصوصية الشخص المتوفى.

القانون العراقي… مساحة لم تُنظم بعد

رغم أن صفحات التواصل أصبحت جزءًا من حياة ملايين العراق، لكن لا يوجد هناك تشريع أو تنظيم يخص التعامل مع الصفحات التي يتوفى أصحابها.

لا يوجد إطار خاص يوضح من له الحق بإدارة الصفحة أو الحصول على المعلومات الموجودة فيها، وهل تعتبر جزءًا من التركة للمتوفى.

في الواقع، تبقى الصفحات خاضعة لسياسة الشركة أو للأعراف والقانون إذا حصل أي استخدام سيئ أو خلاف.

وهناك يبقى الخيار للعائلات: إما تغلق الحساب، أو تتركه كما هو، أو يديره أحد أفرادها ويستمر بالنشر ذكرى لصاحبه والشعور بوجوده.

مع ما نتركه يوميًا من صور ومنشورات وأحداث وآراء تنشر، فإن كل مستخدم يصنع أرشيفًا رقميًا خاصًا به في حياته، دون أن يفكر من يستخدمه أو يطلع عليه بعد مماته.

بين الذكرى والخصوصية

بالنسبة لحالة الزوجة (ه.م)، أبقت الصفحة للتعليم وحفاظًا على ما تركه زوجها لطلبته.

أما الابن (ع.م)، أصبح حساب والده ملجأً يكتب فيه كل ما يحتاج قوله وعدم كتمانه.

في الحالتين، لم تكن مجرد صفحات إلكترونية، بل جزءًا من حياة الشخص بقيت موجودة معهم، وذكريات تعيد بنفسهم الأمان.

لكن إذا وقعت هذه الحسابات بيد الشخص الخطأ وأساء استخدامها وعبث بمحتواها دون علم عائلته، تكون الصورة مختلفة وقد تسبب ضررًا.

وهنا يعود السؤال الذي بدأ منه هذا التحقيق: من يملك حياتنا الرقمية عندما نموت؟

في العراق لا يوجد نص قانوني يحدد الإرث الرقمي ومن يحق له استخدامه، بينما شركات التكنولوجيا لها جزء كبير في كيفية التعامل مع هذه الحسابات وإدارتها وغلقها.

يموت صاحب الحساب، لكن صوره ومنشوراته تبقى موثقة، وتظهر بين الحين والآخر ذكريات على صفحات الأصدقاء والشاشات.

ربما لهذا السبب لم يكن الأمر متعلقًا بغلق حساب أو حذفه، بل نكتب وننشر حتى تبقى ذكرانا على الشاشات بعد رحيلنا.

رئيس التحرير