م.م امير ابو طبيخ/ النجف
شهدت العلاقات الدولية في السنوات الأخيرة واحداً من أعقد فصول الصراع السياسي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية في إيران. وفي قلب هذا الصراع، برزت استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب القائمة على ما يسمى “الضغط الأقصى”، والتي حاولت واشنطن من خلالها فرض شروطها عبر التلويح الدائم بالتفاوض. غير أن القراءة المتأنية للأحداث تكشف عن “زيف” هذا الطرح التفاوضي الأمريكي، وفي المقابل، تُظهر كيف تحولت عناصر القوة والصمود الإيراني إلى حائط صد أفشل هذه المخططات.
أولاً: زيف “الدبلوماسية الترامبية” وعقدة الصفقة المفروضة
إن تتبع السلوك التفاوضي لإدارة ترامب يكشف سريعاً أن دعواته المتكررة للحوار لم تكن تنطلق من أرضية دبلوماسية حقيقية تسعى لحلول متوازنة، بل كانت أداة لفرض الاستسلام:
نقض العهود كبداية: بدأ ترامب مساره بالانسحاب الأحادّي من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، وهو اتفاق حظي بتأييد دولي وقرار من مجلس الأمن. هذا الانسحاب هدم “عنصر الثقة” الذي يمثل حجر الأساس لأي تفاوض ناجح.
التفاوض تحت المقصلة: لا يمكن تسمية السعي الأمريكي للحوار تفاوضاً حين يترافق مع فرض أقسى العقوبات الاقتصادية وتصفية القيادات (مثل اغتيال الشهيد قاسم سليماني). لقد كان الهدف الترامبي هو إيجاد “مشهد استسلام” سينمائي يخدم أجندته الانتخابية والداخلية، وليس التوصل إلى اتفاق يحترم سيادة الدول.
الشروط التعجيزية الـ 12: المطالب التي وضعها وزير خارجيته آنذاك، مايك بومبيو، لم تكن شروطاً لبدء تفاوض، بل كانت صك استسلام يطالب إيران بالتخلي الكامل عن عناصر قوتها الدفاعية والإقليمية، وهو ما لا يمكن لأي دولة ذات سيادة أن تقبله.
ثانياً: ركائز القوة وصناعة الردع الإيراني
في مواجهة هذا الصلف، لم تقف الجمهورية الإسلامية في موقع الدفاع السلبي، بل استندت إلى مكامن قوة حقيقية منحتها القدرة على المناورة والمواجهة:
الاكتفاء الذاتي العسكري (الردع الصاروخي والمُسيّر): طوّرت إيران منظومة دفاعية متكاملة ومحلية الصنع بالكامل. هذا التطور جعل من أي خيار عسكري ضدها مغامرة غير مضمونة النتائج وعالية الكلفة على المصالح الأمريكية وحلفائها في المنطقة.
العمق الاستراتيجي وتحالفات المقاومة: تمتلك طهران شبكة تحالفات إقليمية متماسكة (محور المقاومة) تمتد من بغداد إلى دمشق وبيروت وصنعاء. هذا العمق جعل عزل إيران سياسياً أو جغرافياً أمراً شبه مستحيل، وحوّل أي ضغط عليها إلى ارتدادات وتكلفة مباشرة على النفوذ الأمريكي.
التحول نحو الشرق: نجحت الدبلوماسية الإيرانية في كسر العزلة الغربية عبر تعزيز التحالفات الاستراتيجية والاقتصادية مع قوى عظمى مثل الصين وروسيا، والانضمام إلى تكتلات دولية كبرى مثل “بريكس” ومنظمة شنغهاي للتعاون، مما أفرغ العقوبات الغربية من تأثيرها الحاسم.
ثالثاً: الصمود في وجه “الحرب الاقتصادية” (اقتصاد المقاومة)
أحد أهم فصول الصراع كان “الحرب الاقتصادية” التي شُنت عبر الحصار المالي والنفطي. وهنا تجلت قدرة الصمود الإيراني عبر مفهوم “اقتصاد المقاومة”:
تنويع مصادر الدخل: ركزت الدولة على تقليل الاعتماد على العوائد النفطية التقليدية وتنشيط الصادرات غير النفطية والتبادل التجاري بالعملات المحلية مع دول الجوار.
الصمود الشعبي والتلاحم الداخلي: رغم المعاناة المعيشية الناتجة عن العقوبات، إلا أن الوعي الجمعي الإيراني أدرك أن الهدف من الضغوط ليس تحسين السلوك بل تفكيك الدولة. هذا الوعي فوّت الفرصة على محاولات إحداث شرخ بين الشعب والقيادة السياسية.
خاتمة: انتصار منطق المقاومة على غطرسة القوة
في نهاية المطاف، أثبتت التجربة التاريخية أن العقلية التفاوضية لترامب —القائمة على عقلية “رجل العقارات” الذي يحاول خنق الخصم لشرائه بأبخس الأثمان— قد تحطمت على صخرة الاستراتيجية الإيرانية القائمة على الصبر الاستراتيجي والردع الفعّال.
لقد خرجت الجمهورية الإسلامية من حقبة “الضغط الأقصى” وهي أكثر قدرة على فرض شروطها، وأثبتت للعالم أن الصمود في وجه الإملاءات، والاعتماد على القدرات الذاتية، هو السبيل الوحيد للحفاظ على سيادة الأوطان وكرامتها في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء