بين عقيدة المقاومة وتوازنات الدولة: أبعاد رفض حركة النجباء تسليم السلاح

بين عقيدة المقاومة وتوازنات الدولة: أبعاد رفض حركة النجباء تسليم السلاح

م.م امير ابو طبيخ/ النجف الاشرف


شهدت الساحة السياسية والأمنية في العراق مؤخراً حراكاً وجدلاً واسعاً حول ملف “حصر السلاح بيد الدولة”، وهو الملف الذي يصطدم دائماً برؤية فصائل المقاومة الإسلامية لشرعية وجودها ودورها الإقليمي والمحلي. وفي قلب هذا الجدل، برز الموقف الحازم لأمين عام حركة النجباء، الشيخ أكرم الكعبي، الذي جدد رفض الحركة القاطع لتسليم سلاحها، مما يفتح الباب أمام قراءة الدوافع العقائدية والسياسية والجيوسياسية الكامنة وراء هذا القرار.
الجذور العقائدية: سلاح المقاومة كواجب شرعي
تنطلق حركة النجباء، بزعامة الشيخ أكرم الكعبي، في تعاطيها مع ملف السلاح من رؤية عقائدية تعتبر “المقاومة” خياراً استراتيجياً ومبدئياً غير خاضع للمساومات السياسية أو الإملاءات الحكومية.
ارتباط المحور والسيادة: ترى الحركة أن سلاحها ليس أداة محلية للمنافسة على السلطة، بل هو جزء من “محور المقاومة” الممتد في المنطقة، وموجه أساساً لمواجهة المشاريع الخارجية، وعلى رأسها الوجود العسكري الأمريكي وإسرائيل.
الرفض المبدئي للمهادنة: يعبر الشيخ الكعبي في مواقفه المتكررة عن رفضه لـ “أنصاف الحلول” أو الاتفاقيات السياسية التي تسعى لتهدئة الجبهات، معتبراً أن السلاح ضمانة لوجود الأمة وحماية سيادتها، وليس ورقة تفاوضية يمكن التخلي عنها.
الأبعاد السياسية والأمنية: أزمة الثقة في الضمانات
يتجاوز موقف الحركة الجانب العقائدي ليتصل بقراءة دقيقة للواقع السياسي والأمني:
1 الوجود الأجنبي: تؤكد الحركة أن العوامل التي أدت إلى حمل السلاح — وأبرزها الوجود العسكري الأمريكي في القواعد العراقية — ما زالت قائمة. ومن وجهة نظر النجباء، فإن الحديث عن تسليم السلاح قبل الانسحاب الكامل والفعلي للقوات الأجنبية يعد “تجريداً لعناصر القوة” أمام تهديد مستمر.
2 التمييز بين الحشد والفصائل: في الوقت الذي انخرطت فيه بعض الأطراف في هيكلية هيئة الحشد الشعبي الرسمية خاضعةً للأوامر العسكرية المباشرة، فضلت حركة النجباء الحفاظ على مساحة من استقلالية القرار العسكري والأيديولوجي، متجنبةً الذوبان الكامل في القيود البيروقراطية للدولة لضمان حرية الحركة والاستجابة للأزمات الإقليمية.
البُعد الإقليمي: جبهة موحدة لا تقبل التجزئة
لا يمكن فصل قرار الشيخ أكرم الكعبي عن التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط. تؤمن حركة النجباء بـ “وحدة الساحات”، وترى أن أي محاولة لتجريدها من السلاح محلياً هي استجابة لضغوط دولية (أمريكية وغربية) تهدف إلى إضعاف جبهة المقاومة وتفكيك حلقاتها. لذلك، فإن التمسك بالسلاح يُعد، في أدبيات الحركة، رسالة صمود وتأكيد على استمرار مؤازرة القضايا المركزية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
التحديات والمستقبل: معادلة الاستقرار الصعبةالتحديات والمستقبل: التكامل بين حماية السيادة وبناء الدولة
إن هذا الموقف الراسخ للشيخ أكرم الكعبي لا ينبغي قراءته كسعيٍ للمواجهة مع مؤسسات الدولة، بل كضرورة استراتيجية تفرضها التحديات الوجودية التي تحيط بالعراق والمنطقة. فالمقاومة، في عمق أدبياتها وممارساتها، لا تتقاطع مع مفهوم الدولة القوية، بل تمثل ظهيراً ساندًا لها وعنصر قوة استراتيجي يملأ الفراغ حيثما عجزت الأطر الدبلوماسية والتقليدية عن ردع التهديدات الخارجية الخارقة للسيادة.
من هنا، تبرز الحاجة إلى صياغة معادلة تكاملية وطنية واعية، تنظر إلى سلاح المقاومة باعتباره “صمام أمان” وحقاً مشروعاً كفلته الشرائع لمواجهة الاحتلال والهيمنة، وليس مجرد ملف أمني خاضع للمساومات. إن إنصاف المقاومة يقتضي الاعتراف بأن تضحياتها هي التي حمت كيان الدولة ومؤسساتها في المنعطفات التاريخية الخطيرة، وأن الحفاظ على هذه القوة العقائدية هو الضمانة الحقيقية لمنع أي استباحة مستقبلية لأمن العراق وسيادته، مما يجعل التنسيق المشترك القائم على الاحترام المتبادل وتوحيد الرؤية ضد المخاطر الخارجية، هو السبيل الأوحد لتحقيق الاستقرار المستدام وصون السلم الأهلي.

رئيس التحرير