لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأفكار، بل تحولت إلى فضاء يصنع أنماطًا جديدة من السلوك، ويعيد تشكيل نظرة الأفراد إلى الحياة والعلاقات الأسرية والاجتماعية. ومع الانتشار الواسع للمؤثرين وصنّاع المحتوى، أصبح كثير من المستخدمين، ولا سيما الشباب، يقارنون حياتهم اليومية بما يشاهدونه على الشاشات، في محاولة للوصول إلى صورة مثالية غالبًا ما تكون بعيدة عن الواقع.
وبينما يحقق بعض صناع المحتوى تأثيرًا إيجابيًا في مجالات التعليم والتنمية والثقافة، يرى مختصون أن جزءًا من المحتوى المتداول يرسخ ثقافة الاستهلاك والمظاهر، ويقدم صورة مثالية للحياة يصعب تحقيقها، الأمر الذي ينعكس على العلاقات الأسرية ويزيد من الضغوط النفسية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، تؤكد المستشارة النفسية والاجتماعية د. اتحاد الغانمي أن ما يُعرف في علم النفس بـ”المقارنة المدمرة” يدفع الأفراد إلى قياس حياتهم بما يشاهدونه عبر منصات التواصل الاجتماعي، ما يخلق توقعات غير واقعية بشأن الحياة الزوجية والأسرية.
وتوضح الغانمي أن هذه المقارنات المستمرة تؤدي إلى انخفاض مستوى الرضا عن الواقع، وتآكل الثقة بين أفراد الأسرة، وارتفاع معدلات الخلافات، وقد تصل في بعض الحالات إلى التفكك الأسري، نتيجة السعي لمجاراة أنماط حياة لا تعكس حقيقة ما يعيشه معظم الناس.
وتشدد على أن الحد من هذه الظاهرة يبدأ من داخل الأسرة، عبر تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة تقبل الواقع والعيش وفق الإمكانات الحقيقية، إلى جانب دور المؤسسات التربوية والإعلامية في نشر الوعي الرقمي، وتمكين الأفراد من التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المصمم لجذب المشاهدات وتحقيق الأرباح.
وفي الجانب القانوني، تؤكد الناشطة القانونية أريج الشاهر أن التشريعات العراقية لا تتضمن حتى الآن قانونًا مستقلًا ينظم عمل المنصات الرقمية أو يعالج ما يُعرف بالمحتوى الهابط، وإنما تعتمد الجهات القضائية على قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 المعدل بوصفه المرجع القانوني الرئيس في ملاحقة التجاوزات المرتكبة عبر الفضاء الإلكتروني، ولا سيما تلك التي تمس الآداب العامة.
وتوضح الشاهر أن المادة (403) من القانون تُعد من أبرز النصوص القانونية التي يستند إليها القضاء، إذ تعاقب كل من ينشر أو يعرض موادًا مخلة بالحياء أو الآداب العامة بالحبس مدة لا تزيد على سنتين، أو بالغرامة، أو بكلتا العقوبتين، بحسب طبيعة الفعل المرتكب.
وتضيف أن المواد (401–404) من القانون ذاته تجرّم الأفعال والأقوال الفاضحة العلنية، مشيرة إلى أن المنصات الرقمية، مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك، تُعد قانونًا من وسائل العلانية، ما يجعل المحتوى المنشور عبرها خاضعًا لأحكام هذه النصوص.
كما تشير إلى أن المحاكم العراقية تتجه في بعض القضايا إلى تشديد العقوبات، لا سيما عندما يستهدف المحتوى القاصرين أو المراهقين، لما يشكله ذلك من تهديد للقيم المجتمعية وسلامة النشء.
ومن جانبه، يرى الإعلامي سيف العبيدي أن مواجهة التأثيرات السلبية لبعض صناع المحتوى لا ينبغي أن تقتصر على الإجراءات القانونية أو حملات الانتقاد، وإنما تتطلب دعمًا حقيقيًا للمحتوى الإيجابي والهادف، وتمكينه من الوصول إلى الجمهور.
ويؤكد العبيدي أن وسائل الإعلام المختلفة تتحمل مسؤولية كبيرة في تسليط الضوء على التجارب الناجحة وصناع المحتوى الذين يقدمون رسائل تعليمية وثقافية وإنسانية، مشيرًا إلى أن منحهم مساحة أوسع في الإعلام التقليدي والرقمي يسهم في خلق نماذج إيجابية قادرة على منافسة المحتوى السطحي وجذب اهتمام الشباب.
ويضيف أن بناء الوعي الرقمي لا يتحقق بالمنع وحده، وإنما بتوفير بدائل إعلامية جذابة تحترم عقل المتلقي، وتعزز قيم المعرفة والانتماء والمسؤولية المجتمعية، بما ينسجم مع احتياجات الجيل الجديد.
ورغم اتساع تأثير المؤثرين في تشكيل الرأي العام وأنماط الحياة، يؤكد مختصون أن المسؤولية لا تقع على صناع المحتوى وحدهم، بل تمتد إلى الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والجهات التشريعية، في بناء ثقافة رقمية واعية تعزز التفكير النقدي، وتساعد الأفراد على التمييز بين الواقع والصورة التي تُصنع لأغراض الشهرة أو التسويق.
وفي ظل التحول الرقمي المتسارع، تبقى الحاجة ملحة إلى شراكة مجتمعية حقيقية تعيد التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية الاجتماعية، وتدعم المحتوى الذي يسهم في بناء الإنسان، بدلاً من تكريس معايير زائفة قد تجعل الشاشة مرجعًا للحياة، على حساب العلاقات الإنسانية وقيم المجتمع.