جرح العراق النازف: قراءة في تفاصيل ومآلات “مجزرة سبايكر”

جرح العراق النازف: قراءة في تفاصيل ومآلات “مجزرة سبايكر”

م.م امير ابو طبيخ / النجف الاشرف 
تعد “مجزرة سبايكر” واحدة من أبشع الجرائم الإنسانية وأكثرها دموية في التاريخ الحديث، ليس فقط لحجم الضحايا، بل للطريقة الغادرة والوحشية التي نُفّذت بها. وقعت المجزرة في أعقاب سقوط مدينة الموصل وأجزاء واسعة من شمال وغرب العراق بيد تنظيم “داعش” الإرهابي في صيف عام 2014.
شرارة الحدث: الوقوع في الفخ
في 11 حزيران/يونيو 2014، سيطر تنظيم داعش على مدينة تكريت (بمحافظة صلاح الدين). وفي اليوم التالي، 12 حزيران، حوصر الآلاف من طلاب القوة الجوية والمجندين الشباب العُزّل داخل قاعدة “سبايكر” الجوية (أكاديمية تكريت الجوية).
نظراً لغياب الأوامر الواضحة وحالة الإرباك الأمني، غادر المجندون القاعدة سيراً على الأقدام متوجهين نحو العاصمة بغداد وهم يرتدون ملابس مدنية بناءً على وعود زائفة بتأمين طريقهم. لكنهم وقعوا في كمائن نصبها عناصر التنظيم بالتعاون مع بعض الجماعات المحلية المسلحة.
المذبحة الجماعية والأرقام الصادمة
اقتاد الإرهابيون الضحايا – الذين كانوا بعمر الزهور وغالبيتهم العظمى من المحافظات الوسطى والجنوبية – إلى قصور صدام الحسين الرئاسية وضفاف نهر دجلة. وهناك بدأت عمليات تصفية وحشية على أساس طائفي:
عدد الضحايا: تشير التقديرات الرسمية والدولية إلى إعدام ما يقارب 1700 إلى 2200 جندي ومجند عزل.
طريقة التنفيذ: تنوعت الجريمة بين إطلاق النار المباشر على الرأس من الخلف وإلقاء الجثث في نهر دجلة ليتغير لونه إلى الأحمر، أو دفن الضحايا أحياء في مقابر جماعية شاسعة.
البث الدعائي: وثق التنظيم الجريمة عبر إصدارات مرئية فائقة الدقة استخدمها كأداة لبث الرعب والترهيب، وهو ما صدم الضمير العالمي.
التصنيف دولي: اعتبرت منظمة الأمم المتحدة والفرق التحقيقية الدولية (مثل يونيتاد UNITAD) أن مجزرة سبايكر ترقى إلى مستوى الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، وحملت ملامح إبادة جماعية بالنظر إلى استهداف الضحايا بناءً على هويتهم الدينية.
المآلات والعدالة
بعد تحرير محافظة صلاح الدين في عام 2015، بدأت الفرق الطبية والقانونية العراقية، بدعم دولي، برحلة مضنية لفتح المقابر الجماعية، ومطابقة عينات الـ DNA للتعرف على رفات الضحايا وتسليمها لذويهم، وهي جهود مستمرة حتى اليوم نظراً لضخامة الكارثة.
قضائياً، اعتقل الأمن العراقي عشرات المتورطين والمخططين للمجزرة في عمليات استخباراتية معقدة داخل وخارج العراق، وصدرت أحكام بالإعدام نُفذت بحق العشرات منهم بعد إدانتهم صراحة بالاشتراك في هذه الإبادة.
تظل “سبايكر” رمزاً للتضحية والفاجعة في الوجدان العراقي، ومحطة تذكر العالم دائماً بضراوة الإرهاب وأهمية الحفاظ على السلم الأهلي ووحدة الشعوب.

رئيس التحرير