فتوى البقاء وبناء الدولة: الحشد الشعبي من فجر التأسيس إلى أفق الاستقرار

فتوى البقاء وبناء الدولة: الحشد الشعبي من فجر التأسيس إلى أفق الاستقرار

م.م امير ابو طبيخ / النجف الاشرف
شهد تاريخ العراق المعاصر محطات مصيرية كادت تعصف بكيان الدولة وتهدد وجودها الجغرافي والاجتماعي، إلا أن يوم 13 حزيران 2014 سيبقى محفوراً في الذاكرة الوطنية كواحد من أبرز المنعطفات التاريخية التي غيرت مجرى الأحداث في المنطقة برمتها. ففي ذلك اليوم، ومع تسارع الانهيارات العسكرية وسقوط مدن عراقية كبرى بيد تنظيم “داعش” الإرهابي، انطلقت من النجف الأشرف فتوى الجهاد الكفائي المباركة التي أطلقها المرجع الديني الأعلى السيد علي السيستاني (دام ظله)، لتبدأ معها ملحمة وطنية كبرى تجسدت في تأسيس “الحشد الشعبي”.

فجر الفتوى: الاستجابة ولحظة التحول الاستراتيجي
في حزيران 2014، واجه العراق خطراً وجودياً غير مسبوق؛ حيث تمددت العصابات الإرهابية بسرعة نحو حدود العاصمة بغداد، وصاحب ذلك انهيار معنوي وضغوط إعلامية ونفسية هائلة. وفي خضم هذا الظلام، جاءت الفتوى المباركة بمثابة “صدمة إيجابية” أعادت التوازن الروحي والمعنوي للشعب العراقي وللمؤسسة العسكرية.
لم تكن الاستجابة للفتوى مجرد رد فعل عاطفي، بل تحولت فوراً إلى حراك شعبي منظم. تدفق مئات الآلاف من المتطوعين من مختلف المحافظات والخلفيات الاجتماعية والمهنية نحو مراكز التدريب. هذه الهبة الجماهيرية استوعبت الزخم الإرهابي، ومثّلت الجدار الدفاعي الأول الذي منع سقوط العاصمة وصحّح ميزان القوى على الأرض.

مسيرة التحرير: صياغة النصر خطوة بخطوة
لم يقتصر دور الحشد الشعبي على الدفاع الموضعي، بل سرعان ما تنظم بالتنسيق الكامل مع القوات الأمنية بجميع صنوفها (من الجيش والشرطة الاتحادية وجهاز مكافحة الإرهاب والطيران العسكري) لبدء عمليات هجومية واسعة لاستعادة الأراضي المغتصبة. تضمنت مسيرة التحرير محطات عسكرية معقدة وضعت الحشد أمام اختبارات ميدانية قاسية:
تأمين حزام بغداد وفك الحصار: بدأت العمليات بتأمين محيط العاصمة وفك الحصار عن مناطق حيوية مثل آمرلي وبلد والضلوعية، مما أثبت قدرة القوات الجديدة على إدارة حرب المدن والعصابات.

تحرير جرف الصخر (النصر): شكلت هذه العملية مفتاحاً استراتيجياً لتأمين جنوب بغداد والمحافظات المقدسة، وقطعت خطوط إمداد العدو.
معارك صلاح الدين والأنبار: أسهم الحشد بفعالية في استعادة مدن تكريت، والبيجي، والفلوجة، والرمادي، محققاً اختراقات عسكرية في بيئات جغرافية صعبة ومعقدة.
الملحمة الكبرى (نينوى والحدود): توجت الجهود في معارك تحرير الموصل، حيث تولى الحشد المحور الغربي القاسي، فقطع خطوط الإمداد الدولية للمجموعات الإرهابية مع سوريا، وحرر تلعفر، وصولاً إلى مسك الحدود العراقية-السورية بالكامل.

القيمة الاستراتيجية والاجتماعية للحشد
أبعد من البعد العسكري الصرف، مثل الحشد الشعبي ظاهرة اجتماعية وسياسية أفرزت جملة من الحقائق الاستراتيجية:
1. صهر التنوع الوطني: على عكس ما حاولت بعض الماكينات الإعلامية الترويج له، ضم الحشد في صفوفه ألوية وفصائل من مختلف مكونات الشعب العراقي (من السنة، والمسيحيين، والإيزيديين، والتركمان)، ليكون دليلاً عملياً على أن معركة الدفاع عن العراق هي معركة الجميع.
2. الغطاء القانوني والمأسسة: تحول الحشد من حركة تطوعية شعبية إلى مؤسسة رسمية مرتبطة بالقائد العام للقوات المسلحة بعد صدور قانون هيئة الحشد الشعبي رقم (40) لسنة 2016 من قبل مجلس النواب، مما رسخ شرعيته كذراع أساسي من أذرع الدولة الدفاعية.
3. التكافل والجهاد الكفائي المجتمعي: رافق الحشد الجهد الإنساني والدعم اللوجستي الذي قدمته قوافل الدعم الشعبي والمواكب الحسينية والجامعات والنخب الأكاديمية، مما عكس تلاحماً نادراً بين الجبهة العسكرية والعمق المدني.

من التحرير إلى البناء: التحديات الحالية والمستقبلية
بعد إعلان النصر النهائي عام 2017، دخل الحشد الشعبي مرحلة جديدة تمثلت في التحول من “صناعة النصر” إلى “الحفاظ عليه”. وتتركز مهامه اليوم في ثلاثة مسارات رئيسية:
الأمن الاستخباراتي وملاحقة الفلول: تنفيذ عمليات “تطهير وعزيمة” مستمرة في الصحاري والوديان الوعرة (مثل وادي حوران وحمرين) لمنع إعادة تشكل خلايا “داعش” النائمة.
الجهد الهندسي والخدمي: تفعيل دور مديريات الهندسة في الحشد للمساهمة في إعادة إعمار المناطق المتضررة، فتح الطرق، تقديم الخدمات للمواطنين في المناطق النائية، وإسناد مؤسسات الدولة الخدمية في الأزمات.
ترسيخ الهوية المؤسسية: الاستمرار في تطوير البناء الأكاديمي والعسكري لمنتسبي الهيئة وتعميق التنسيق المشترك مع بقية الأجهزة الأمنية تحت مظلة الدستور والقانون.

خاتمة
إن ذكرى انطلاق الفتوى المباركة وتأسيس الحشد الشعبي ليست مجرد مناسبة للاحتفاء العابر، بل هي قراءة في سفر الكرامة والتضحية. لقد أثبتت الأحداث أن وعي الأمة، وحكمة قيادتها الدينية، وبسالة أبنائها، هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المشاريع التي تستهدف وحدة العراق وسيادته. ويبقى الوفاء الحقيقي لهذه الذكرى متمثلاً في صون تضحيات الشهداء والجرحى، والمضي قدماً في بناء دولة المؤسسات العادلة والمستقرة.

رئيس التحرير